قمة العشرين، قمة الدول المتقدمة والنامية الكبرى هي في حقيقة الأمر السلطة الدولية، سلطة الأمر الواقع، ولو أنها لم تنظم نفسها كسلطة في العالم وللعالم. قمة العشرين تمثل 90% من الناتج الداخلي العام في العالم و80% من التجارة الدولية كما تمثل ثلثي سكان العالم.

لم يكن منتظراً بالطبع أن تكون القمة بمثابة بريتون وودز ثانية بعد الأولى التي عقدت عام 1944 بمشاركة 44 دولة وأرست حينذاك النظام المالي العالمي الذي قام على الدولار كعملة ملكة. النظام الذي انتهى عملياً في مطلع السبعينات. قمة العشرين قد تؤسس لبريتون وودز جديدة صارت أكثر من ضرورية لكن لم يكن من الممكن انتظار ولادتها خلال هذه القمة بسبب الاختلال الشاسع في الفلسفات والسياسات الاقتصادية لأطرافها.

يبقى المطلوب بالطبع إقامة سلطة عليا ضابطة ومنظمة للنظام المالي العالمي والكل يدرك أن التوصل إلى هذا الأمر بحاجة لمزيد من المماحكات السياسية والمفاوضات الدبلوماسية المتعددة الأطراف والثنائية للخروج بصيغة متفق عليها بين الكبار، رغم أن القمة أرست مبدأ ضبط وتنظيم أسواق المال ولكن في الإطار الوطني، بقي أن نعرف ماذا يعني الضبط والتنظيم في فلسفات اقتصادية سياسية مختلفة.

قمة العشرين أسست لوضع جديد في ما يتعلق بتركيبة السلطة الفعلية الاقتصادية الدولية: الوضع الجديد قوامه التحول من قمة السبع أو القوى الغربية المتقدمة إلى إنشاء ناد أوسع وأكثر تنوعاً سياسة واقتصاداً ونمواً وتنمية، وأكثر تمثيلاً وتعبيراً عن هيكل القوى العالمي وبالتالي أكثر شرعية وأكثر قدرة فيما لو تم التوافق على سياسات معينة على وضع هذه السياسات موضع التنفيذ.

قمة العشرين أعلنت رسمياً نهاية عصر الهيمنة الأميركية الأوروبية، وهي تشكل اعترافاً ولو متأخراً بعض الشيء بأن عالم القرن الواحد والعشرين بمستجداته التي تكرست وتضاريسه السياسية الاقتصادية التي استقرت لم يعد من الممكن التعبير عنه وإدارة أموره بنجاح من خلال نادي السبع الكبار.

على القمة التي يفترض أنها أطلقت دينامية لمواجهة الأزمة الأكثر حدة في التاريخ الاقتصادي المالي العالمي حجماً وتأثيراً أن تواجه بشكل خاص تفشي «فيروس» الأزمة، فيروس الركود والانكماش وتباطؤ النشاط الاقتصادي الذي طال ويطال الكثير من الدول التي تذهب الواحدة تلو الأخرى إلى «إطفائي» صندوق النقد الدولي لإخماد الحريق الذي انتقل إليها.

نشهد ذلك من أوروبا إلى آسيا إلى أميركا اللاتينية، حتى الصين الشعبية لم تبقى بمنأى عن ذلك وقد بدأت آلاف المؤسسات الاقتصادية بالإقفال وصرف العمال في «مصنع العالم» فيما موسكو تتدخل لإنقاذ المؤسسات الاقتصادية المتهاوية مكرسة نظام رأسمالية الدولة وواشنطن مازالت منقسمة حول ضرورة وجدوى إنقاذ صناعة السيارات.

بانتظار القمة القادمة في نهاية أبريل 2009 يبقى معيار النجاح في مدى انطلاق ورشة الإنقاذ عبر التطبيق الوطني لما تم الاتفاق عليه جماعياً. لكن المطلوب ليس فقط المداواة العابرة والمؤقتة بل معالجة المسببات العميقة التي تقف وراء الأزمة.

وهذا يتطلب ضمن أمور أخرى وكما يقول كلاوس شواب مؤسس ورئيس منتدى دافوس، والذي لا يمكن اتهامه بأنه ضد الرأسمالية المالية، بلورة مفهوم المسؤولية الشاملة والعالمية والمشتركة أو نوع من مدونة السلوك للتعاون على المستوى المالي العالمي، المطلوب في عالم شديد التداخل والترابط خاصة على الأصعدة الاقتصادية والمالية والتجارية بلورة صيغة معينة لإنشاء إدارة اقتصادية عالمية مشتركة، كما يدعو أمين عام الأمم المتحدة.

لكن التحدي الأساسي يكمن في إعادة النظر في المفهوم النيوليبرالي الفوضوي للاقتصاد المالي العالمي حماية للاقتصاد الحقيقي المنتج وحماية وإنقاذاً للجماعات الفقيرة والمهمشة في الدول المتقدمة وخاصة لشعوب العالم النامي التي تعاني وستعاني أكثر من غيرها من تداعيات هذه الأزمة.

فهل تكون هذه الأزمة بمثابة جرس إنذار مبكر ولو مكلف لإعادة تقويم الكثير مما صار مسلمات اقتصادية مقبولة بغية إقامة نوع من الإطار الدولي المنظم والمراقب والضامن والواقي من خلال إرساء قواعد وأطر جديدة للتنافس وللتعاون من أجل عولمة أكثر إنسانية وأكثر تضامناً وبالتالي أكثر حفاظاً على الاستقرار الاقتصادي ومعه بالطبع الاستقرار السياسي والاجتماعي.

قد يكون التحدي كبيراً وهو كذلك، وقد يكون بحاجة لأكثر من قمة وأكثر من مسافة زمنية قصيرة، حتى موعد القمة القادمة، للنجاح ولكن من الصعب الاستمرار في سياسة التهدئة والمراهم ومحاصرة كل أزمة بغية احتوائها دون محاولة معالجة مسببات الحريق في العمق.

كاتب لبناني

hitti@wanadoo.fr