اعتادت إسرائيل أن ترتكب كل أصناف الجرائم والانتهاكات، من غير رادع أو حسيب. ما بقي شيء من الفظائع، لم تمارسه بحق البشر والحجر والشجر، في الأراضي الفلسطينية. تمادت، ليس فقط لأن العدوانية نابعة من طبيعتها. بل أيضاً لأنها وجدت الغطاء الدائم لحمايتها، من المساءلة وتدفيعها الثمن. واشنطن وفّرت لها المظلة الواقية، باستمرار. قرارات كثيرة منعت مجلس الأمن الدولي، عبر الفيتو، من إصدارها ضدّ تل أبيب.

وما صدر منها تكفلت بتعطيل تنفيذه. جعلت لغة الغمز الخجول، أبعد ما يمكن الذهاب إليه؛ في التعبير عن الانزعاج أو التأفف، من انتهاكات إسرائيل وإمعانها في الضرب بالقوانين والأعراف والمواثيق الدولية، عرض الحائط. أحياناً وعند الاضطرار، كانت واشنطن تنتقد حليفتها من طرف اللسان؛ رفعاً للعتب والإحراج. وكأن ارتكاباتها، من فصيل المخالفة البسيطة العابرة، ليس إلاّ.

ولا إدارة أميركية، ذهبت في موقفها من الاستيطان الإسرائيلي؛ إلى أبعد من وصفه بأنه « يعرقل» و«لا يساعد»، عملية السلام! فقط لا غير. أما أنه غير شرعي ومخالف للقوانين والاتفاقيات الدولية، فهذا كلام لا وجود له في القاموس الأميركي.

ما تقوم به إسرائيل، بات وكأنه امتياز لها؛ جرى فرضه وبالتالي فرض خطاب محدّد لا يتعدّى المناشدة، في التعامل معها. صار ذلك أشبه بالعرف. تنهب الأرض، تبني الجدار، تواصل التهويد وتفرض الحصار والتجويع؛ ولا تسمع من الخارج ما يزيد على مفردات القلق. أو ما يتعدّى لفت النظر، بأنها بالغت. وليس بأنها تمارس العدوان غير المقبول، والمطلوب منها التراجع عنه.

أما لغة التحذير، ناهيك بالإنذار؛ فلا مكان لها في هذا المجال. أحياناً ربما تريد بعض الجهات إيصال رسالة تحذير مبطّن. لكن ليس في اليد حيلة. العين بصيرة واليد قصيرة.

وهذا هو شأن الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، الذي طلب من أولمرت، السماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة؛ المقفلة معابره منذ أسبوعين. أبلغ مون رئيس حكومة إسرائيل، شعوره «بالقلق العميق إزاء الوضع الإنساني في غزة وحثّه على تسهيل دخول الإمدادات».

رفض الجانب الإسرائيلي. زعم بأنه يحرص على سلامة أهل غزة وبأنه لا يسمح بحصول أزمة إنسانية هناك! طبعاً ليس من المنتظر أن تتطابق نظرة إسرائيل إلى ما يحصل في غزة؛ مع نظرة بقية العالم إليه. لها معاييرها المعروفة، في هذا الخصوص. وليس من المتوقع منها تبديلها.

لكن الذي صار من الضروري والمشروع توقّعه، هو أن يقلع العالم عن هذه اللغة في مخاطبته لإسرائيل. الوقت حان واللحظة هي لحظة تغيير في المعادلات والقواعد. ولا يجوز أن تستثنى منها إسرائيل.