لم تعد الصحف والمجلات ونشرات الأخبار تبدأ بالحديث عن الأزمة المالية العالمية وتنتهي بالتساؤل عمّا وراءها. هذا رغم أنها لا تزال تضرب في كل الاتجاهات. والأكثر فقرا هم الأكثر عرضة للتهديد.

هناك أزمة . لا أحد يشك في ذلك، وهناك مسؤولون عنها. ويتفق العالم كلّه تقريبا أنها انطلقت من الولايات المتحدة الأميركية وأن إدارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، بخضوعها لتوجيهات المحافظين الجدد، تتحمّل وزرا كبيرا في اندلاعها.

ولا أحد يجهل أن الحكومات الأوروبية ذات الأغلبية اليمينية، خاصة في فرنسا وإيطاليا وإلى حد كبير في ألمانيا وقبل الجميع في بريطانيا في ظل حكومة توني بلير وبعده غوردون براون، رغم «عمّاليتها»، قد ساهمت كلّها في تعزيز الرأسمالية المالية على حساب الاقتصاد الحقيقي الذي تدعو كلّها اليوم أيضا إلى دعمه.

مثل هذا الواقع كان ينبغي منه أن يثير ردود أفعال من قبل الرأي العام وخاصة من قبل اليسار الذي ينادي بالدفاع عن الشعوب وحقوقها. بل بدا أن المناخ مواتٍ منطقيا لهذا اليسار كي يعود إلى الساحة ويقدّم الحلول.

الواقع يقول شيئا آخر، فأغلبية الأصوات التي ارتفعت تنتمي بالأحرى إلى «أهل» اليمين الذين انقلبوا بأغلبيتهم الساحقة من الولاء المطلق للبرالية المتطرفة وسيادة قواعد اقتصاد السوق إلى الولاء ،المطلق أيضا، لدور الدولة وقيامها بتنظيم العملية الاقتصادية من بابها إلى محرابها.

أمّا «أهل» اليسار فقد لفّهم صمت القبور. وبالتحديد اليسار الأوروبي «العريق» الذي كان قد وصل أكثر من مرّة إلى السلطة عن طريق صناديق الاقتراع في أكثر من بلد أوروبي. بل وكان اليساريون الأوروبيون يهزأون من يسار «العالم الجديد» الأميركي الذي «لم يقرأ أبدا ماركس حتى نهايته» .

وفي الوقت الذي كان فيه اليسار الأوروبي «يصول ويجول» في سنوات السبعينات المنصرمة وما تلاها، كانت أميركا تحضّر ل«ثورتها المحافظة» التي جرت ترجمتها بنجاحات انتخابية كبيرة من رونالد ريغان إلى جورج دبليو بوش وتخللتها فترة بيل كلينتون «الاعتراضية».

وجد باراك أوباما، الرئيس الأميركي المنتخب، بدون شك الدعم من قبل ناخبين يتجاوز وزنهم اليسار، بالمعنى التقليدي الإيديولوجي للكلمة. لكن هذا لا يمنع واقع أنه عندما كان مرشّحا للمرّة الأولى في ولاية شيكاغو قبل عشر سنوات لقي التأييد خاصة من قبل الجناح الأكثر «يسارية» في الحزب الديمقراطي.

وكان قد ركّز ببرنامجه الانتخابي على مسائل الضمان الاجتماعي والتربية والصحّة ودور النقابات. أي كان برنامجا «يساري الاهتمام» حسب المعايير الشائعة. نفس النقاط تقريبا، ولكن بخطاب أكثر اعتدالا، تضمّنها البرنامج الانتخابي الذي أوصله للرئاسة في الانتخابات الأخيرة.

ولا يختلف اثنان، وأكّده المراقبون والمحللون كلهم، هو أن أوباما، وليس ماكين، هو الأكثر قدرة على إعطاء دفعة جديدة للاقتصاد الأميركي «المتراخي» وعلى مواجهة الأزمة المالية الراهنة.

وإذا كان من الصحيح القول انه كان الأكثر براعة من منافسه «سيء الحظ» فيما طرحه من حلول لمعالجة هذه الأزمة، فإنه من الصحيح أكثر أن ما يمكن وصفه باليسار الأميركي قد حضّر منذ فترة طويلة انتخاب باراك اوباما.

وفوزه هو في عمقه فعل مصمِّم ومصمَّم ضد الكابوس الأميركي الذي تمثل باقتصاد يترنّح وخدمات اجتماعية شبه غائبة؛ ولكن أيضا وخاصة تمثّل بحرب غير مبررة وصورة مشوهة لأميركا في العالم. وليس صدفة أن يؤكد اوباما في تصريحاته العديدة بعد الفوز التزامه بسحب القوات الأميركية من العراق وإغلاق معتقل غوانتانامو المشين.

ضد ذلك الكابوس اقترعت أميركا دون أن تأخذ باعتبارها لون بشرة اوباما السمراء الداكنة. المسألة تتعدّى «الشكل» إلى «المضمون» في السياق الأميركي الراهن. لقد فهم الأميركيون هذا جيّدا وفضّلوا خوض مغامرة المستقبل، عن وعي، باتجاه «ما لا يعرفون جيدا » إلى أين سيؤدي بهم على «ما يعرفون جيدا »إلى أين أوصلهم. إن الأمر يتعلّق بـ «طلاق حقيقي» مع ذهنية محافظة جديدة ـ قديمة واختيار نهج جديد ذي طبيعة تقدمية. هنا يكمن سر الزخم الكبير الذي التفّ حول اوباما.

أمام ما جرى في أميركا يطرح اليسار الأوروبي على نفسه الكثير من الأسئلة. إنه خارج دائرة الفعل بعد أن كان في مركزها. بعض الأرقام يمكنها أن توضّح الصورة جيدا.

في عام 1997 كان هناك 13 بلدا من مجمل بلدان الاتحاد الأوروبي ال15 آنذاك محكومة من قبل أحزاب اشتراكية أو من تحالفات تقودها، أو تشكّل أحد مكوناتها الرئيسية، أحزاب اشتراكية . في عام 2008 أصبح عدد الحكومات اليسارية أو «شبه اليسارية»، في الدول ال27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة.

ومنذ عام 2006 حتى الآن خسرت الأحزاب اليسارية التقليدية الأوروبية 15 من أصل 17 عملية انتخابية على المستوى الوطني عرفتها بلدان الاتحاد الأوروبي.

وحال الأحزاب الأوروبية اليسارية الكبرى يتدهور. الحزب الاجتماعي الديمقراطي الألماني الذي وصل إلى الحكم مرّات عديدة كان آخرها في ظل المستشار السابق جيرهارد شرودر كان يضم مليون منتسب عام 1976 ولا يضم الآن سوى 600000 عضو.

وكان حزب العمال البريطاني يضم 400000 عضو عند وصول توني بلير إلى الحكم ثمّ عرف عملية نزيف بسبب الحرب العراقية ليصل عدد أعضائه عندما تركه إلى 177000 عضو فقط .

الحزب الاشتراكي الفرنسي تمزّقه صراعاته الداخلية. وكان اليسار في إيطاليا قد عرف هزيمة ساحقة أمام المعسكر اليميني بقيادة سيلفيو برلسكوني.

تبقى اسبانيا هي «سنونوة واحدة» والاستثناء الذي يثبت القاعدة ولا ينفيها. وما تدلّ عليه مؤشرات كثيرة هو أن المشهد يبدو أكثر سوءا بالنسبة لليسار التقليدي في أفق العامين القادمين بأوروبا. اليسار المتطرف، من جهته، ينتعش لكنه يبقى هامشيا.

الملفت للانتباه هو ان اليمين الأوروبي يحاول «توظيف » أطروحات اليسار لحسابه. هذا ما تحاول المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أن تفعله. ولم يتردد دافيد كاميرون، زعيم المحافظين البريطانيين، في استخدام خطاب يساري في مواجهة حزب العمال الجديد . أمّا الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي فقد اشتكى «ممتناً» أنهم اتهموه بكونه «اشتراكيا».

وهكذا إذا وسّعنا إطار الصورة لرؤية ما يجري من مراجعات في التوجّه في أغلبية مناطق العالم، نجد أنفسنا بالفعل أمام عالم يعاد تشكيله، وفوز اوباما سوف يسارع في ذلك. ثمّ إن الكل معنيون.

كاتب سوري ـ باريس

mokirat@sharjah.ac.ae