هناك من يولد ويعيش ويرحل دون أن يشعر به أحد، ومثل هؤلاء لا يخلفون وراءهم أي بصمة تذكر الأحياء بهم، وهناك من يرحل ويبقى في القلوب بما خلف وما صنع وما ترك في نفوس من عرفه بل وحتى من لم يكتب له أن يعرفه، مثل هؤلاء فقيد الصحافة العربية الراحل الكبير صلاح الدين حافظ الأمين العام لاتحاد الصحافيين العرب الذي لبى نداء ربه بعد مسيرة حافلة بالعمل والعطاء وسنوات من الكفاح والنضال في بلاط صاحبة الجلالة دفاعاً عن حقوق الصحافيين وقضايا الحريات، وكيف كان يريد لمهنة الصحافة أن تكون حرة نزيهة بعيدة عن أي معادلات أو حسابات.

عشق لم يكن يقتصر على الصحافة في بلده مصر، بل كان ينتصر للمهنة في الوطن العربي ومخلصاً لها ولأمته، يسعد لأي بارقة تبدو في سماء الصحافة أينما كانت، ولعل جمعية الصحافيين في الدولة تدين بالكثير لهذا الرجل الذي عاش سعادة بالغة يوم تأسيس جمعية الصحافيين وإشهارها ولم يبخل يوماً بإسداء النصح وتقديم كل ما لديه خدمة لها.

أذكر هنا وتحديداً في القاهرة العام 2002، وكنت قد مثلت جمعية الصحافيين كأول أمينة سر لها وزميلتي موزة مطر من الزميلة «الاتحاد» في اجتماعات اتحاد الصحافيين العرب، وكان أول تمثيل رسمي لجمعيتنا بعد الإشهار فيما سبقته مشاركة كعضو مراقب في عمان بالأردن، وهناك تم منح الجمعية عضوية اتحاد الصحافيين العرب، في هذا الاجتماع ووفقاً للبروتوكول وجدول أعمال الاجتماع كان على الراحل إلقاء كلمته.

لكنه فاجأ الجميع وبدأ كلمته بتوجيه كلمة شكر إلى دولة الإمارات وتحية إلى جمعية الصحافيين الوليدة فيها التي بعثت سيدتين لتمثلانها وتشاركان في اجتماعات اتحاد الصحافيين العرب، وهو الأمر الذي لم تقدم عليه أي دولة عربية بما فيها مصر نفسها، هو الخبر الذي تناقلته الوكالات آنذاك وكانت زميلتي وأنا محل إعجاب وتقدير واهتمام خاص من المشاركين .

وعلى رأسهم صلاح الدين حافظ، الذي كان يحرص كلما زار البلاد بدعوات رسمية من نادي دبي للصحافة للمشاركة في منتدياته الإعلامية وغيره على اللقاء بنا والاطمئنان على أحوال الصحافة والصحافيين، ولا يتردد مع أي بادرة جميلة أو تقدم يحرزه أهل المهنة أن يبارك ويذكر ما تم في اجتماعات الاتحاد الرسمية، كان آخرها قرار منع حبس الصحافيين في قضايا النشر.

لقد عبرت علاقة صلاح الدين حافظ بالصحافيين العرب كل الحدود، ولم نشعر يوماً أنه معني بالصحافة المصرية وحدها، بل كنا نرى في شخصه الأب الحنون الذي يحب ويتابع أبناءه العرب في كل مكان وينشد لهم في مهنة دروبها ليست سالكة على الدوام كل خير، يشد على أيديهم ويدعوهم إلى المزيد.

ستبقى ابتسامة صلاح الدين حافظ التي لم تفارقه يوماً على رغم ما كان يعانيه ويكابده من آلام المرض الذي ظل يصارعه لسنوات، زادت منه وفاة ابنه الشاب قبل أشهر فكانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير ولم يفلح ما تبقى له من الصبر والقوة أن يصمد أكثر في وجه أمواج الحزن التي خيمت على محياه، فكان للقدر كلمته ولم يمهله حتى المشاركة في دورة الجائزة العربية للصحافة التي قد أعلنت قبل أيام انضمام حافظ لعضوية أمانتها، رحم الله صلاح الدين حافظ وأسكنه فسيح جناته مع الصديقين والأبرار.

fadheela@albayan.ae