لا يقتصر معضل الثنائية في مجتمعاتنا على جوانبها المادية مقابل اللامادية، وإنما تمتد هذه الثنائية معنا لتغطي أوجه الحياة الأخرى..فحياتنا الاجتماعية تحمل قدرا غير عادي من الثنائية المعلنة والأخرى المستترة، كما ونحمل في داخلنا مواقف معلنة وأخرى مستترة.

وهناك دائما جوانب غامضة في حياتنا لا نكشفها للناس والمجتمع بل نهاب في أن يتم الكشف عنها وبالتالي فضحها وفضحنا معها اجتماعيا، ويمتد ذلك ليشمل الناس والاقتصاد والثقافة والسياسة بل ان القادة السياسيين الغربيين دائمو القول عن هذه الثنائية في السياسيين العرب الذين يلتقون بهم:

فهم في ذلك يقولون لهم ما لا يعلنونه لشعوبهم، كما ونحن نقول في حضرة الحاكم كلاما مختلفا عن ذلك الذي نقوله في حضرة العامة، كما ويقول رجال ديننا الموصفون بالوسطية كلاما في الغرب يختلف عن قولهم عندنا، ويشجبون الإرهاب حين ويشجبونه حينا آخر ويدعون للَم الشمل الإسلامي حينا وللفرقة حينا آخر.

وتمتد هذه الثنائية لتؤثر في مواقفنا من القضايا والتي تتشكل مواقفنا منها وفقا لمعيار القرب والمصلحة. كما أن ما يسميه البعض عن الطبيعة الاجتماعية المحافظة للمنطقة هي الآخر محافظة تحمل متمثلة في قدر غير عادي من الثنائية، بل يمتد الحديث للقول عن ثلاثية ورباعية وأخرى خماسية في بعدها القطاعي.

فرغم أن دول الخليج، باستثناء المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، ذات مساحات جغرافية صغيرة إلا أن هذا الصغر في الحجم لم يفلتها من تعدديات اجتماعية وثقافية انعكست بشكل غير عادي على المعطى السياسي والبنائي.

ورغم أن الحديث عن التعددية الثقافية والاجتماعية كان كثيرا وموثقا إلا أن الكلام لم يأتي على نظامنا التعليمي الذي بات يحمل أشكالا من التعددية: الأفقية والعمودية. وهي تعددية لا يمكن إلا أن تحمل معها، إذا ما استمرت في شكلها وطبيعتها القائمة، بمصاحبات اجتماعية في المعطى الثقافي والطبقي.

من ناحية أخرى فإن الانفتاح على الخارج والحديث المتزايد عن مطلب تطوير وإصلاح التعليم في بعض دول المنطقة، لم يساهم في أن يكون نظامنا التعليمي نظاما متطورا قادرا على صياغة مجتمعاتنا صياغة جديدة، بل أن ما يسمى بمحاولات التطوير هذه قد خلقت ثنائية أخرى بين ما قد يسمى بالتعليم الخاص والتعليم الحكومي. إذ يحمل التعليم الخاص ثنائية أخرى متمثلة في تعليم النخبة: وهو تعليم متقدم من نواحٍ مختلفة، تعزز من نخبته تكلفته المالية العالية التي لا يقدر على الإيفاء بها إلا القلة.

مقابل تعليم الجماعات الفقيرة والمتوسطة، وهو تعليم يفتقر للكثير من عناصر البنية التعليمية السليمة والقادرة على إكساب الداخلين فيها عناصر معرفية وثقافية واجتماعية.

أما التعليم الحكومي فهو الآخر بات يحمل هذه الثنائية بين تعليم ديني يتسم بقدر كبير من التقليدية المنغلقة على الماضي، بكل ما يحمله هذا الماضي من إشكالات وتناقضات وحروب، بتنا نعيد إنتاجها في حواضرنا وتضرب فيها نيران الماضي المشتعلة في حاضرنا، وتعليم عام قد وصف بكونه حديثا يتسم هو الآخر بثنائية متمثلة إما في استمرار المدارس الحكومية القديمة أو التقليدية التي مازال سائدا فيها تلك الكراريس والكتب والإدارة والمُدخلات البشرية القديمة مقابل المدارس الحديثة ذات المناهج والإدارة والأفق التعليمي الحديث.

ويخرج النظامان نوعين من الطلبة مختلفين ليس فقط من حيث المستوى والتحصيل العلمي وإنما مختلفان كذلك من حيث السياق الثقافي والاجتماعي الذي تمت فيه عملية التمدّرُس، وبالتالي نستحصل من هذا تشكيلات بشرية مختلفة من حيث المواقف والرؤى والتوجهات ومن حيث العلاقة بالماضي ومن حيث كذلك القبول أو الرفض بعملية التحديث في عمومها.

ومقابل ذلك هناك نظام لتعليم المواطنين قد تتوافر فيه جل أو كل الإمكانيات وتعليم آخر يفتقر لكل أو جل عناصر العملية التعليمية يقوم على تعليم أبناء المهاجرين العرب والآسيويين من أبناء الفئات المتدنية من الوسطى والدنيا.

وتمتد هذه الثنائية لتشمل نظامنا التعليمي الجامعي الذي بات في بعض دول المنطقة يحمل هذه الثنائية ولربما الثلاثية والرباعية من حيث إن هناك تعليما جامعيا حكوميا مازال يقوم بوظائفه التقليدية رغم بعض محاولات الإصلاح المتعثرة أو المتلكئة ومن حيث القدرة على الانطلاق، وتعليم جامعي خاص بدا في بعضه ذا نزوع تجاري بحت كما هو في بعض دول المنطقة وهو يُقَدم هنا دون توافر بنية أساسية مساندة للتعليم الجامعي.

وتعليم جامعي جديد تمثل في استقبال بعض من جامعات النخبة في الولايات المتحدة الأميركية والغرب كما هو الحال في قطر وأبوظبي ودبي. وهو تعليم يتسم بقدر كبير من العالمية والكفاءة الداخلية والخارجية، إلا أن تأثيره لم يحصد بعد.

وإذا ما استمرت هذه التعددية المتعارضة دون قدر من التوافق والتشابك الاجتماعي والثقافي والمعرفي فإنها، أي هذه الثنائية، بأشكالها ومسمياتها المختلفة ستفرز بل ستعمق من ثنائية اجتماعية- طبقية وأخرى ثقافية - سياسية قائمة داخل المجتمع، لا يمكن أن تترك دون قدر من الالتفات والمعالجة الجدية.

وخوفي بل كل خوفي في ألا يكون نظامنا التعليمي كما كان سابقا في سنوات تأسيسه الأول وفي سنوات صعوده التالي آناء للصهر الاجتماعي والثقافي لكل مكونات المجتمع، وفضاء تشكل ثقافي وسياسي جامع، بل ان يتحول وفي ظل هذه الثنائية أو الثلاثية والرباعية إطاراً لإعادة إنتاج كل الاختلافات الطبقية والثقافية والاجتماعية والتاريخية والدينية والاثنية القائمة في المجتمع ومعززا لحالة التشظي الاجتماعي والثقافي. بل في أن يتحول المسار التعليمي للبعض قناة تمتع واستئثار لعناصر القوة القائمة في المجتمع، مقابل الآخر المُستثنى من بعض أو كل شيء.

كاتب بحريني

rbaqer@gmail.com