«نحو إعلام فضائي مسؤول» هو عنوان الحملة الإعلامية التي تبناها منتدى الدوحة حول الفضائيات بهدف توعية منظمات المجتمع المدني والشباب والأسر والجهات المختلفة ذات الصلة للعمل من أجل وضع حد لفوضى الإعلام الفضائي والتلوث الثقافي والفكري التي تتسبب فيه مئات الفضائيات العربية يوميا والذي يعتبر خطرا على المجتمع وخاصة فئة الشباب.

تهدف الحملة إلى توعية الشباب وأفراد المجتمع الأخرى بمخاطر القنوات الفضائية غير الجادة وغير المسؤولة، على أخلاقهم وعقولهم وتوعية أولياء الأمور بالقيام بواجبهم لحماية أبنائهم من المخاطر والانزلاقات التي قد تتسبب فيها هذه الفضائيات.

كما تهدف الحملة إلى إيجاد آليات للضغط على شركات الاتصالات المختلفة لمنع الشباب من إرسال عبارات غير أخلاقية عبر خدمة الرسائل القصيرة التي تُبث على الشاشات وتحقق من ورائها هذه الشركات مع الفضائيات أرباحا طائلة.

الموضوع في حقيقة الأمر يخص الجميع والجميع يجب أن يقوم بدوره ويؤدي واجبه ويلتزم بمسؤوليته من أجل الحد مما يحدث أمام مرأى ومسمع الجميع وفي مجالس العائلات قاطبة.

البكاء على الأطلال طال لسنوات عديدة منذ ظهور الفضائيات في الوطن العربي في منتصف ثمانينينات القرن الماضي. فالأمر اليوم يتطلب التحرك وبسرعة من أجل مقاضاة الفضائيات التي لا تحترم قيم المجتمع ومبادئه وثوابته ونسيج أخلاقه.

وهذا لا يعني في أي حال من الأحوال المساس بحرية الفكر والرأي وحرية الصحافة، ولا يمس كذلك الحريات الفردية. لكن المطلوب هو تجنب الفوضى والالتزام باحترام حرية الصحافة واحترام حق المجتمع في التمتع بكرامته واحترام آدابه وأخلاقه.

فالأسرة من واجبها مراقبة ماذا يشاهد الأبناء وأي نوع من البرامج والمواد التي تبثها الفضائيات يتعاطى معها هؤلاء الأبرياء. وهذا يعني أن الأسرة ملزمة بتعليم أولادها كيف يتعاملون مع وسائل الإعلام وكيف يستهلكونها ويستفيدون مما تقدمه، ويعون تمام الوعي الصالح والطالح من المنتجات الإعلامية.

وهذا يعني أن ليس كل ما تبثه الفضائيات العربية هو ذو فائدة وقيمة للنشء بالإضافة إلى أن هناك برامج ومنتجات إعلامية لا تصلح بتاتا للمشاهدة.

وهذا يعني أن من واجب الأسرة ومنظمات المجتمع المدني والمدرسة والجامعة والمسجد والنادي... الخ، كل من جهته، التوعية والتوجيه والتثقيف من أجل محو الأمية الإعلامية وغرس العادات السليمة لدى الشباب للتعامل مع وسائل الإعلام بمسؤولية وإيجابية وبذكاء.

وكذلك العمل على مستوى مسؤولي الفضائيات للالتزام بالعمل المسؤول والهادف والتعامل مع السلعة الإعلامية والمنتج الإعلامي كمسؤولية اجتماعية وقيم وآداب وأخلاق وليس كمجرد سلعة مادية الهدف من ورائها الربح.

وهنا قد يتطلب الأمر التحرك على المستوى القانوني لوضع آليات لمعاقبة من يتلاعب بشرف المجتمع وأخلاقه ومبادئه ومن يتلاعب بعواطف وشعور المراهقين. وقد يتطلب الأمر هنا تفعيل مرصد إعلامي على مستوى الدول العربية لمراقبة ما يبث في القنوات الفضائية العربية من أجل محاربة الفوضى وتنظيم محتوى البث الفضائي ومتابعة التزام الفضائيات بأخلاقيات المهنة دون المساس بحرية الإعلام.

قبل أيام أُنعقد في العاصمة القطرية الدوحة منتدى حول الفضائيات والتحدي القيمي والأخلاقي الذي يواجه المجتمعات العربية وخاصة فئة الشباب منها. أوصى المؤتمرون في نهاية أعمالهم بوضع آلية للجوء إلى القضاء في حالة عدم التزام الفضائيات بمسؤولياتها القيمة والأخلاقية والاجتماعية.

القنوات الفضائية هي مؤسسات اجتماعية تشكل الوعي الاجتماعي وتساهم في بلورة الرأي العام ونشر الثقافة والوعي في مختلف المجالات.كما أنها تعمل على نقل التراث من جيل إلى آخر فضلا عن أنها المؤرخ اليومي لما يجري في المجتمع.

كما أنها تساعد في عملية التواصل بين الحاكم والمحكوم ونقل انشغالات واهتمامات الشارع للسلطة ونقل توجهات وسياسات السلطة للجمهور. كل هذا، بطبيعة الحال، وفق قيم ومبادئ ومعايير لا تخرج عن النسيج الاجتماعي المتعلق بالقيم المجتمعية والأخلاق والعادات والتقاليد.

نتساءل أين هذا الكلام في غالبية الفضائيات العربية التي يتعدى تعدادها الاربعمائة قناة.

فالمشاهد والمتتبع لهذه الفضائيات يلاحظ القيم الدخيلة التي تطغى على المادة التي تبثها الفضائيات العربية من خلال الأخبار والدراما والإعلانات والبرامج الترفيهية...الخ. وبهذا أصبحت هناك فضائيات هابطة، فضائيات الشعوذة والرقص والغناء والغزل على الهواء والعلاج الطبيعي على المباشر، وبرامج «الشو بيز» و«صراع الديكة» وتلفزيون الواقع...الخ.

وأصبح الشغل الشاغل لهذا النوع من الفضائيات هو الوصول إلى أكبر عدد ممكن من المشاهدين وخاصة الشباب والمراهقين منهم (70% من السكان)، من أجل الرسائل القصيرة والاتصالات الهاتفية والمشاركة في المسابقات. كما أصبح هم القناة الفضائية هو بث أكبر حجم ممكن من الإعلانات.

والحصيلة في أخر المطاف هي بث رسائل هابطة لا تضيف شيئا للمشاهد ولا تقدم له مادة تفيده في ثقافته العامة وفي فهمه لما يجري من حوله وفي العالم.. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام، هو ماذا أضافت هذه الفضائيات من قيم ومن أخلاق ومن معلومات وتعليم وثقافة وتنشئة اجتماعية وحصانة لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.

هل يقاس نجاح المؤسسة الإعلامية بالأرباح المادية التي تحققها؟ أم أن هناك معايير أخرى تحدد هذا النجاح. المؤسسة الإعلامية لا تنتج شامبو ولا شكولاته وإنما تنتج فكرا وقيما وذاكرة جماعية لأمة بكاملها. كما أنها تلعب دورا استراتيجيا في التنشئة الاجتماعية والحفاظ على الهوية الوطنية وغرس روح الولاء والانتماء لنظام ولقيم مجتمعية ولنسيج معرفي وقيمي وتاريخي وحضاري يجمع ويكون القاسم المشترك بين أفراد المجتمع.

فإذا كان تحقيق ملايين الدولارات على حساب هذه الأهداف النبيلة هو المقياس وهو معيار النجاح فهذا يعني أن المؤسسة الإعلامية أصبحت مثل مصنع الإسمنت لا علاقة لها بالفكر وبالقيم وبالحضارة وبالثقافة وبالذاكرة الاجتماعية وبإنسانية الإنسان وآدميته. فالإنسان من منظور هؤلاء آلة تستهلك وتستقبل بدون وعي ولا تفكير وهو بذلك مجرد رقم في معادلة التجارة والبيع والتسويق والإعلان ينشطها فاعلون همهم الوحيد هو الربح مهما كانت الوسيلة والطريقة والأسلوب.

عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة

mokirat@sharjah.ac.ae