رغم أن أوباما لن يتولى الرئاسة حتى ظهر يوم العشرين من يناير القادم إلا أن نجاحه كرئيس سوف يتوقف في جانب كبير منه على ما سوف يفعله من الآن وحتى توليه الرئاسة. فالمطلوب من أوباما أن «يلمس الأرض وهو يجري» على حد تعبير عالم السياسة الأميركي جيمس فيفنر.
والصورة هنا مستمدة من عالم الطيران. فالطائرة عند هبوطها لا يمكنها أن تلمس الأرض فتتوقف بشكل مفاجئ ولا يمكنها حتى أن تلمس الأرض فتمشي ببطء لا يتناسب مع السرعة الهائلة التي كانت تطير بها وانما عليها أن تلمس الأرض وهي تجري بسرعة فائقة وتظل تجري بعض الوقت ثم تبدأ في تقليل سرعتها بشكل تدريجي.
والرئيس الجديد يكون في حالة مشابهة. فهو أدار حملة انتخابية ظل خلالها يتحرك بسرعة فائقة على مدار شهور طويلة تنتهي بفوزه بالمنصب في نوفمبر. ولكن عليه أن يظل طائرا بنفس تلك السرعة طوال المرحلة الانتقالية حتى يهبط يوم تنصيبه ويظل يجري لعدة أشهر بعد ذلك!
بعبارة أخرى على الرئيس الجديد الذي «يلمس الأرض» يوم تنصيبه ألا يقف مكانه لالتقاط الأنفاس ولا حتى أن يبدأ السير «مشيا» وإنما يتحتم عليه أن يجري بقوة الدفع ويظل يجري طوال الشهور الأولى من عمر إدارته حتى يستفيد الاستفادة القصوى من الزخم الذي حققته الانتخابات.
فالرئيس في تلك الشهور الأولى بعد توليه يكون في أعلى معدلات شعبيته دون أن يفعل شيئا بعد. فهو خارج للتو من حملة انتخابية فاز فيها ولا يزال الكونغرس والإعلام والرأي العام على استعداد لإعطائه الفرصة كاملة ليقدم ما في جعبته.
ومن هنا يطلق علماء السياسة على تلك الشهور الأولى من عمر أية إدارة «شهر العسل الرئاسي». فما يستطيع الرئيس إنجازه فيها قد يستحيل عليه تحقيقه بعدها ومن ثم عليه أن يستثمر شهر العسل هذا فيطرق الحديد وهو ساخن ويقدم أكثر خططه صعوبة على الهضم.
ومن هنا تأتي الأهمية القصوى للمرحلة الانتقالية التي تمتد من لحظة إعلان الفائز في الانتخابات وحتى يوم التنصيب. فبدون إنجاز المهام المطلوبة في تلك المرحلة لا يكون الرئيس مستعدا على الإطلاق للجري يوم «يلمس الأرض» في العشرين من يناير.
وقد ثبت من خبرات رؤساء سابقين أنه من المهم للغاية أن ينتهي الرئيس المنتخب في الفترة الانتقالية من تحديد أجندته بوضوح واختيار الطاقم الذي سوف يعمل معه.
أما المهمة الأولى المتعلقة بتحديد الأجندة فهي تتمثل باختصار في أن يحدد أنه الرئيس المنتخب بوضوح بنود أجندته وأولوياتها. فالمرشح للرئاسة عادة ما يتحدث في عشرات الموضوعات دون أن يضطر بالضرورة لأن يرتبها من حيث الأولوية.
ولكنه حين يفوز بالرئاسة فإنه يكون قد انتقل إلى مرحلة تحويل تلك التعهدات الانتخابية إلى سياسات عامة. غير أن الرئيس الجديد لا يستطيع القيام بذلك وحده إذ يتحتم عليه العمل مع الكونغرس الذي يملك تحويل تلك التعهدات من مجرد أفكار لدى الرئيس إلى قوانين تحكم البلاد.
ومن هنا فإن على الرئيس الجديد أن يختار من بين كل الموضوعات التي تحدث عنها عددا محدودا من القضايا ثم يرتبها من حيث أولويتها. فما لم يقم بذلك الرئيس الجديد فإن الكونغرس- صاحب الصلاحيات الدستورية الهائلة- لن ينتظره كثيرا وسيبدأ العمل فورا وفق أولويات أعضائه بل ويفرضها على الرئيس، بغض النظر عما إذا كانت الأغلبية في الكونغرس تنتمي لحزب الرئيس كما هو الحال مع أوباما أم تنتمي للحزب الآخر.
فإذا لم يحدد أوباما أولوياته بدقة فسوف يتولى الكونغرس المهمة نيابة عنه الأمر الذي يخلق توترا وانقساما داخل حزب الأغلبية لأن أجنحة الحزب المختلفة ستبدأ العمل كل وفق أولوياته من أجل تحقيق أعلى مكاسب ممكنة.
وقد حدث ذلك بالفعل مع كارتر وكلينتون اللذين فشلا في تحديد أولويات واضحة فتولى الكونغرس المهمة مما أدى إلى حالة من التشتت والفوضى ودخل كل من الرئيسين في صراع مرير مع الكونغرس الذي احتل فيه حزبه مقاعد الأغلبية!
أما المهمة الثانية فهي أن ينتهي أوباما في الفترة الانتقالية من اختيار ممن سيعملون معه في الوزارة وفي البيت الأبيض. فمن المهم أن ينتهي أوباما ليس فقط من اختيار الوزراء وإنما أيضاً من يتولون مناصب الصف الثاني. فالرئيس الجديد يحتاج إلى بدء العمل فورا ومن ثم لابد أن يعلن بسرعة اختياراته لأن من مصلحته الإسراع بإجراءات اعتماد من اختارهم من جانب الكونغرس.
ورغم أن تلك تبدو مسألة بديهية إلا أنها ليست بالسهولة التي تبدو عليها فهي تتطلب حذرا في اختيار كل هذا العدد الهائل. فسوء الاختيار يتحول فورا لمادة إعلامية تخلق جوا عاما سلبيا للرئيس قبل أن يبدأ عمله والتأخر في إعلان الاختيارات لا يقل سوءا لأنه يحدث فراغا يعاني منه الرئيس بعد توليه.
فعلى سبيل المثال تولى كلينتون الرئاسة في يناير 1993 ولكن حتى شهر مايو أي بعد مرور أربعة أشهر كاملة كانت هناك وزارتان فقط من بين 14 وزارة وقتها يوجد بها ثلاثة مسؤولين فقط على قمة الهيرارك في كل منها بينما ظلت هناك سبع وزارات لم يكن كلينتون قد عين فيها سوى الوزير وحده!
بعبارة أخرى، لأن الشهور الأولى من عمر أية إدارة تكون دون غيرها هي الشهور التي يملك فيها الرئيس الجديد احداث تحولات كبرى في مجمل السياسات العامة فإن المرحلة الانتقالية وما يحدث فيها من استعدادات تلعب دورا حاسما في وضع الرئيس الجديد على أول طريق النجاح أو... الفشل!
كاتبة مصرية
