على مدار يومين من الخطب لرؤساء وزعماء ما يقرب من 65 دولة عربية وإسلامية وغيرها طالبت بإلقاء خطبها في مقر الأمم المتحدة، والذي جاء عقده برعاية المملكة العربية السعودية. وهو استكمال للمؤتمر ذاته وفي الاتجاه نفسه الذي عقده الملك عبد الله بن عبد العزيز مع الملك الاسباني خوان كارلوس في صيف هذا العام في العاصمة الاسبانية مدريد.

إن ذلك التواصل في الحوار بين الأديان ـ لتقريب شقة الخلاف العميق والأليم ما بين قيم الحضارات الإنسانية ـ شهد شرخا واضحا خلال العقود الأخيرة، ساهمت الكثير من الدول في تعميقه بسبب المواقف السياسية لتلك الأنظمة.

لهذا لا يمكننا فصل تلك المواقف عن طبيعة الأنظمة السياسية وتوجهاتها في مرحلة العولمة ومتطلباتها وشروطها التي كمنت فيها الكثير من الممارسات الخاطئة وليس بالضرورة أن يكون الدين أو المذهب سببا مباشرا في ذلك الصراع السياسي، غير أن السياسي كان ولا يزال يتمظهر في الديني مثلما ظل الديني يتمظهر في السياسي، وجميعها اخفت جوهر المصالح السياسية والاقتصادية في المجتمع والنظام الدولي العالمي خلال قرننا المنصرم وخلال العقدين الأخيرين من الألفية الثالثة.

وقد يبدو الديني منفصلا عن السياسي والسياسي لا يتداخل مع الديني عندما ترغب الدول والتيارات المعنية بذلك، ولكننا كما نرى أن الواقع يدحض كل التنظيرات المجردة كلما أخضعنا تحليلانا للواقع السياسي، سواء على مستوى الصراع الداخلي لكل بلد بين أطيافه المختلفة أو دول تتصارع بينها مما يجعل المجتمع السياسي والمدني في داخل كل دولة بمفردها يهّيج ويعبئ جمهوره في تلك الاتجاهات المعادية للقيم الإنسانية والحضارية والدينية، وعلى وجه الخصوص تدمير الإنسان وقتله على أساس الهوية الدينية، وغياب مسألة التسامح وإشعال النزاعات الأهلية في عالمنا المعاصر بشكل واضح.

لا داعي للعودة للحروب والنزاعات القديمة في التاريخ كمرجعية لمقالتنا حول غياب التسامح داخل البلد الواحد وتقاتل الطوائف ذات الديانات المشتركة على أساس طائفي وأحيانا على أساس ديني، وقد لعبت المؤسسات الدينية المرتبطة بالإقطاع والارستقراطيات دورها في تغذية تلك النزاعات، بحجة الدفاع عن حصون الدين المهددة من أديان أخرى بدأت تغزوها.

وبكل وضوح وجدنا ذلك في قرننا المنصرم عندما غزا الاتحاد السوفييتي أفغانستان، فما كان على الجبهة المضادة للاتحاد السوفييتي إلا تعزيز الداخل الأفغاني والعالم الإسلامي بحجة الخطر الشيوعي الذي يهدد الإسلام هناك!

فهل كان الصراع في فترة الحرب الباردة قائما على أساس الدين والايديولجيا وحدها أم على أساس توسعة مناوراتها الاستراتيجيات العسكرية والسياسية وكسب موطئ قدم لها في كل منطقة ؟

من دخلوا تلك الحرب كانوا أنظمة متباينة شكلوا جبهة موحدة وستخلق الانبعاثات الأولى نتائجها الممتدة المسماة في يومنا بالإرهاب، ثم تتالت بعدها الانبعاثات الثانية مع قيام الثورة الإيرانية، فكانت حرب العراق مع إيران المتسمة بعقائدية واضحة، ولكن النظامين لم يخفيا في حملتهما الدعائية والتحريضية بتوظيف الدين من اجل مشروعهما خلف تلك الستارة الفعلية وهو نشر المشروع السياسي العقائدي، ولا يمكننا فصله عن توجهاته الدينية في العمق والمظهر.

سيبرز بعد الثورة جبهتان في عالمنا الإسلامي تعززان مسألة تزايد حجم الإرهاب والتشدد الديني وسيتراجع التسامح للوراء خطوات.

وكانت هذه الإسهامات بارزة في دول البلقان والجمهوريات السوفييتية السابقة في وسط اسيا ومنطقة القوقاز بعد انهيار المنظومتين، فركضت المجموعات الإسلامية المتشددة إلى هناك للقتال ونصرة أخوانهم في الدين، وكان ذلك مفهوما.

ولكن غير المفهوم والمبرر دعم دول كثيرة لتلك المجموعات وتسهيل مهماتها بطرق ملتوية ومكشوفة، ولكنها كانت واضحة أن النظرة الدينية ونزعتها دعمت المشروع السياسي الذي برز في مرحلة تشكل النظام العالمي، حتى وان كذّب الإعلام على الرأي العام بأطروحات حقوق الإنسان والتسامح مشعلا بزيته المزيد من النيران بدلا من إطفائها، ولكنها ؟

النيران ـ عندما انتقلت إلى حديقته الأمامية والخلفية واقتربت من بيته السياسي ونظامه، كان على الجميع أن يقف مباشرة في مكافحة الإرهاب الدولي كجبهة موحدة، حيث تحول الإرهاب إلى جريمة سياسية عالمية وحركة مناهضة للحضارة والقيم الإنسانية المشتركة. واتضح المشهد في الصراع العربي ؟

الإسرائيلي، فنمت الدعائية وزادت المطبوعات المتشددة وتعمق هذا الاتجاه لدى الشارع السياسي العربي والإسلامي بمواقف دينية وتم إبراز الصراع على أساس كونه صراعا دينيا أكثر منه سياسيا، فقد ظلت المنظمات الفلسطينية منذ انطلاقتها تحمل خطابا سياسيا وأيديولوجيا علمانيا فيما توارى الخطاب الديني تماما وظل محصورا في بنية التنظيم التاريخي كإخوان المسلمين، ولم يخط نحو العنف الخارجي أو حتى الداخلي، ولكنها بدأت تنتعش مع مرحلة الحرب الأفغانية ؟

السوفييتية حتى لحظة ارتدادها للداخل وتحول الصراع إلى صيغة من صراع الحضارات ؟ كما تم ترويجه ؟ فيما الحقيقة أن الإيديولوجيات بقت رغم اختلافها تعزز جوهر الخطاب الديني المتشدد مكانة وحضورا على الساحة الدولية والمحلية، فكان من الطبيعي أن يطفو للسطح النزاع الديني ؟ الديني بكل مظاهره ويبرز بالمقابل أيضاً ؟ نزعة التشدد الديني والتعصب ؟

النزاع المذهبي. فهل تغذت تلك النزعة المتشددة دينيا خارج حضنها السياسي والعقائدي ؟ أم أننا نحاول عبر حوار الأديان فصل الجزء عن الكل في جسد اجتماعي واحد هو الجسد العالمي كمجتمع إنساني، والجسد الاجتماعي الداخلي كمجتمعات منسجمة ومتناقضة ومتداخلة تغلّب فيها مستوى ما على مستوى اخر حين غابت عن تلك المجتمعات العدالة الاجتماعية والتآخي ومعالجة مشاكل الشعوب السياسية على أساس عادل ومتكافئ وحقوقي.

بدأ واضحا كل الوضوح أن الاجتماع الممنهج يصب في اتجاهين، الأول عالمي لمكافحة الإرهاب والتشدد الديني، والثاني مفصل تفصيل دقيق للإسراع من اجل إنهاء الصراع العربي ؟ الإسرائيلي وفي مقدمته حل المشكلة الفلسطينية وفق المبادرة السعودية المطروحة في بيروت والتي تبنتها غالبية الدول العربية.

حيث يبرز في الحوار السياسي قضية مهمة هي مسألة كيفية تقاسم مدينة القدس كمكان وعاصمة دينية عالمية، وهل تقسم المدينة كقسمين أم تبقى موحدة كمدينة روحية للديانات الثلاث ومن هي الجهة التي ستكون معنية بها؟

هنا سيتضح التسامح الحقيقي دون الحاجة للدموع والبكائيات والعواطف الإنسانية الملتهبة، والتي برزت على مائدة العشاء ومنصة الأمم المتحدة، والذي نتمنى ألا يكون العشاء الأخير! فكم من مرة صلبت القضايا الإنسانية صلبا دون أن تجد لها الخلاص!

كاتب بحريني

baderabdulmalek@yahoo.com