في خريف العام 1989، هبّت رياح التغيير التي أطلق شرارتها ميخائيل غورباتشوف على ما كان يعرف بتشيكوسلوفاكيا. كانت البلاد آنذاك في حال أفضل من ذي قبل في ما يخص الانفتاح الفكري وحرية التعبير المحدودة طبعاً.
حيث ان «الغلاسنوست» و«البيريسترويكا» وغيرهما من المصطلحات الجديدة التي أدخلتها القيادة السوفييتية الواعدة على قاموس التعامل السياسي، ساهمت بتعزيز الأمل لدى الشباب وغيرهم ممن كانوا يطمحون لكسر الجمود الذي شلّ حياتهم منذ ربيع براغ في العام 1968.
الأحداث تسارعت بشكل غير متوقع في ذلك الخريف البارد، وقد زادت من حرارتها واندفاعها التطورات الكثيرة التي شهدتها القارة الأوروبية على أكثر من صعيد، لا سيما انتفاضات الشارع التواق إلى التغيير في الدول الشيوعية المجاورة، وانتقالها إلى الشارع التشيكوسلوفاكي الذي كان يرصد ما يجري بشوق وأمل كبيرين.
يضاف إلى كل ذلك الموقف الذي تبنّته القيادة السوفييتية آنذاك بعدم التدخل في ما يجري، باعتبار أن ذلك شأن داخلي لتلك الدول. وقد اعتبر هذا الموقف بحد ذاته تطوراً ثورياً، لأن آثار ربيع براغ وما جرى قبله في المجر من قمع للحركات الإصلاحية، كانت لا تزال ماثلة في أذهان الكثيرين.
الأحداث التاريخية هذه كانت شيّقة بلا شك لأنها غيّرت معالم الخارطة الجيوسياسية في العالم بأكمله، ومهّدت لنقلة نوعية في التحالفات على كل الأصعدة السياسية والعسكرية وغيرها.
وقد يقول قائل إن ما نشهده اليوم من تمدد أطلسي وتوسيع للاتحاد الأوروبي، ليس في حقيقة الأمر سوى امتداد طبيعي لحقبة التغيير التي انطلقت في خريف العام 1989، لأن معظم الدول الشيوعية السابقة التي «حررت» نفسها من الفلك الذي كانت تدور فيه، وضعت نصب أعينها هدفاً استراتيجياً وحيداً ينبغي تحقيقه بأي ثمن: الانضمام إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي مهما كلف ذلك من تضحيات.
تم ذلك فعلاً، وأصبحت تشيكيا وسلوفاكيا والمجر وبولندا ومعهم معظم الدول الأوروبية الاشتراكية السابقة، جزءاً جديداً من المعسكر الغربي «الديمقراطي» بكل تفرّعاته، بينما يدور جدل تاريخي حول الأسباب الحقيقية التي أوصلت العالم لهذه المرحلة، وما إذا كانت التطورات الحالية التي نشهدها على صعيد المواجهة بين هذا المعسكر الجديد من جهة، وروسيا وريثة الاتحاد السوفييتي السابق من جهة أخرى، هي تطورات طبيعية أم أنها باتت تقفز فوق السقف المتفق عليه في مراحل تاريخية سابقة.
يعلم الجميع حتماً، أنه لولا الإرادة التاريخية للقيادة السوفييتية آنذاك، لم يكن من الممكن أن يصل العالم إلى ما وصل إليه. هذا أمر حتمي وواضح للجميع، ولا يعني بأي شكل من الأشكال تشكيكاً في نضال الشعوب التي احتلت الساحات والشوارع. فأداء القوى الأمنية في معظم الدول التي شملها التغيير «السوفييتي» كان أداءً سلمياً، واقتصر على القيام بأعمال ردع عادية، مثل تلك التي نشهدها في كل أنحاء العالم أثناء المظاهرات أو أعمال الشغب التي ترافق مباريات كرة القدم.
وإن دل ذلك على شيء، فإنه يدل على وجود قرار سياسي شامل، بدءاً من المركز الأساسي في موسكو، بإفساح المجال أمام حركة التغيير وعدم وضع العراقيل الاصطناعية أو العسكرية أمامها. اقتنع القادة ان التوجه العام هو مع «التغيير»، وهو في الواقع شعار سياسي فعال يمكن استخدامه في كل المراحل الانتقالية وغيرها، وقد لاحظنا كم كان فعالاً في الانتخابات الأميركية التي جرت أخيراً.
اليوم، تقف أوروبا بعد كل هذه السنين التي تلت الثورة المخملية، أمام مفترق طرق مفصلي سيحدد على الأرجح وجه التطور الجيوسياسي المقبل. فبعد إعادة فرز التحالفات وموازين القوى، باتت التطورات التي نشهدها حالياً تهدد باحتمال نشوء عناصر جديدة لا نعرف حتى الآن ما إذا كانت ستنقل القارة الأوروبية من حالة التنافس إلى حالة المواجهة الفعلية.
وبالرغم من أن المتفائلين يصرّون على التأكيد ان ما نشهده حالياً من تراشق حاد في المواقف بخصوص ما بات يعرف بالدرع الواقية من الصواريخ المعادية، ليس سوى نوع من العمل الدبلوماسي المتعارف عليه بين القوى العظمى، يرى آخرون ممّن يصفون أنفسهم بالواقعيين، أنه في حال استمر هذا التراشق الدبلوماسي الحاد فإنه سيتطور بلا شك إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.
الدولتان المتورطتان في مشروع الدرع الواقية، أي تشيكيا وبولندا، تعتقدان أنهما حسمتا موقفهما لصالح إقامة القواعد العسكرية الأميركية، انطلاقاً من حقيقة أن ذلك سيكرّس مشروع انتمائهما إلى الغرب «الديمقراطي» والذي انطلق أثناء مرحلة الثورة المخملية.
لكن التدقيق أكثر في تفاصيل الحقائق يظهر أن هذا القرار لم يعتمد على ما هو أهم وأعظم من المظلة السياسية التي تحكم أداء السلطات حالياً، أي على الدعم الشعبي الذي من المفترض أن يبارك كل تحرك جذري واستراتيجي.
وإذا أخذنا الأمور من منظار تطور الأحداث في تشيكيا وسلوفاكيا اللتين تحتفلان اليوم بذكرى الثورة المخملية، نرى أن الشعب قد قال كلمته بشكل مدوٍّ من خلال الانتخابات البرلمانية والتمثيلية التي جرت في مراحل متفاوتة. ففي سلوفاكيا أفرزت الانتخابات البرلمانية السابقة حكومة رافضة بشدة للوجود العسكري الأميركي.
بينما جاءت الصدمة أكبر في تشيكيا عندما فاز اليسار الاشتراكي الديمقراطي في كل الدوائر الانتخابية للمجالس التمثيلية، لأن أحد أبرز شعاراته كان رفض بناء قاعدة الرادار الأميركية.
الأهم من ذلك كلّه هو أنه، وبعد تسعة عشر عاماً من العزلة، تمكن الحزب الشيوعي في تشيكيا من التمثل في الحكومات المحلية. وقد يبدو هذا التطور عادياً بالنسبة للبعض، لكن المطلعين على تفاصيل الحياة السياسية في هذه المنطقة من العالم، يعلمون جيداً أن ذلك هو مفصل تاريخي مهم جداً.
كاتب لبناني
