رحبت أمم وشعوب وحكومات دول الأرض بفوز مرشح الحزب الديمقراطي الأميركي باراك أوباما لقيادة الإدارة الأميركية. للولايات المتحدة إرث إمبريالي استعماري مناهض لحركات التحرر العالمية منذ بروزها كقوة سياسية دولية عظمى وعلى مدى من الزمن يقترب من القرن.

بالمال والسلاح والسياسة والتآمر ناصرت الإدارات الأميركية المتعاقبة الحكومات المتسلطة التي ترعى مصالح هذه الدولة العظمى. وقفت أميركا في وجه الأكثرية الساحقة من الشعوب والأمم. تتمتع الولايات المتحدة بالسمعة الأسوأ في تاريخ الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة والحديثة. بعد امتلاكها القدرة التقنية العسكرية الساحقة باتت الولايات المتحدة الأمر الناهي والشرطي العالمي، الدكتاتور الذي لا يراعي في حفظ مصالحه إلاً ولا ذمةً.

حالياً معظم الملفات المفتوحة عالمياً ساخنة بدءاً من تلك في شرق آسيا والصين وروسيا ومروراً بالشرق الأوسط وأفريقيا وانتهاء بالكاريبي وأميركا الوسطى والجنوبية. تشكل الصين الخصم الدولي الأساس في الوقت الحاضر والتي تهدد بجبروتها الاقتصادي المتصاعد في القوة مصالح الولايات المتحدة عبر العالم بشكل استراتيجي حاسم.

المواجهة مع روسيا تصاعدت إبان فترة حكم أكثر رؤساء الولايات المتحدة تخبطاً وأقلهم حنكةً ودرايةً وحكمةً في التعامل مع الشؤون السياسية الدولية. بالذات فالدرع الصاروخي لحلف الناتو الموجه ضد موسكو يبقي ملف العلاقات ساخناً بين الشرق والغرب عموماً ويهدد بعودة الحرب الباردة من جديد.

بسبب اتباع سياسة المعايير المزدوجة، الملف النووي الإيراني شائك ومتفاقم. ليس بإمكان الولايات المتحدة التراجع السهل عن المواجهة مع نظام اعتُبر خصماً استراتيجياً وأيديولوجياً منذ نشأته.

القضية الفلسطينية بدورها تواجه التعنت الإسرائيلي، مؤيداً بلوبي صهيوني أميركي تلمودي غاشم، الرافض للشروع بخطوات ملموسة عملياً باتجاه حلحلة الوضع البائس مع العرب عموماً والفلسطينيين خصوصاً. المواجهة بين الإدارة الأميركية ودول أميركا الوسطى وفي مقدمتها كوبا وفنزويلا تبقي ملف العلاقات ساخناً في الفناء الخلفي لأميركا وحتى إشعار آخر.

داخلياً فالأزمة الاقتصادية الناجمة عن المغالاة في المصروفات في مجال الاقتراض والرهن العقاري تضع الولايات المتحدة، ومن خلفها العالم، على حافة ركود اقتصادي قد لا ينجو منه ذقن واحد!. لا تزال الخطوات المتعاقبة والمتلخصة في ضخ كميات ضخمة من السيولة النقدية إلى المصارف والأسواق المالية، لا تزال تظهر عقماً منذ بداية عهدها.

هنالك خلل هائل في النظام النقدي العالمي المعتمِد أساساً على النظام الرأسمالي والسوق الحر بطريقة أقرب إلى شريعة الغاب والتوزيع العشوائي للثروة والفوضوية الانتهازية في طرق الاستحواذ عليها. يواجه العالم أزمة اقتصادية قد تتطور بسهولة إلى خانقة قاتلة ما لم تتعاون الدول المختلفة في وضع حلول جذرية متشعبة ديمغرافياً.

إذن في الداخل والخارج فالرئيس الأميركي المنتخب قادم إلى مكتب وعليه كمٌّ هائل من الملفات مستعصية الحل. على الإدارة الأميركية الجديدة أن تظهر شجاعة خارقة مميزة في مواجهة القضايا المطروحة. ذلك ما قد يستدعي تخلي الولايات المتحدة عن الكثير من الامتيازات التي استحوذت عليها بالجبروت السياسي والاقتصادي والعسكري والتآمر.

الولايات المتحدة قادرة أن ترفع يدها وتنسحب ولو جزئياً من الكثير من القضايا التي لا تعود عليها إلا بالخسران وتشويه السمعة والخصومة والعداء مع الآخرين.

في جانب آخر من الممكن للإدارة الأميركية أن تلعب دور وسيط محايد نزيه في تلك القضايا التي كانت تلعب فيها دور الخصم والحكم والقاضي الجلاد. ذلك ما يجعلها تتفرغ لنفسها في الداخل لحل الأزمات المالية والاقتصادية والاجتماعية والصحية المستعصية والتي تهدد المجتمع الأميركي بالتفكك والتشظي وحتى بدء العد العكسي لأفول الدولة المركزية.

الولايات المتحدة تعتبر نفسها دولة مؤسسات وهي محكومة بشكل أساسي ورئيسي من مجلسي الشيوخ والكونغرس، الأبيض البروتستنتي بامتياز لكل منهما. الأقليات الصغيرة والكبيرة في المجتمع الأميركي غير ممثلة جيداً في هذين المجلسين.

مثلاً في الوقت الذي يصل تعداد السكان ذوي الأصول الأفريقية إلى حوالي 12% فإن تمثيلهم في مجلس الشيوخ يساوي الصفر، دون أوباما الرئيس المنتخب. ذلك ما يطرح شكوكاً وتخمينات لدى البعض من أن انتخاب أحد من ذوي أصول أفريقية بالذات، ولو جزئياً من جهة الأب، في البيت الأبيض ما هو إلا لتلميع صورة أميركا المحكومة بالبيض من أصول أوروبية.

لن يكون موقف ودور باراك أوباما كثيراً أحسن من حال «كولن باول» و«كوندوليزا رايس» اللذين عملا مثل دمى بأيدي راعيي أبقار تكساس، جورج بوش الأب والابن. استعمل هؤلاء لتنفيذ المهمات العسكرية والسياسية الأكثر جسارة وربما قذارة ضد الآخرين. لا يبدو أن الوضع يتجاوز واقع الحال المرير بأكثر من حركات شكلية تمثيلية تهدف إلى تليين نظرة الشعوب والحكومات والدول عبر العالم حول السياسات الأميركية المطبّقة.

يزداد الموقف سوءاً لدى الشعوب والدول العربية والإسلامية التي تم حرق صورتها وهويتها إعلامياً على مدى عقود طويلة.

اشتد قتام الصورة العربية والإسلامية في عهد الرئيس المنصرف جورج بوش الثاني في حربه الكونية على ما يسميه بالإرهاب. حتى أن الرئيس المنتخب باراك أوباما استبق التكهنات ونظرات التفاؤل العربية إزاءه بترصيع طاقم إدارته بعدد من الصهاينة الأميركيين بدءاً من نائبه السيناتور «جوزيف بايدن» وعدد من الأركان ذوي الأهمية الحساسة في تسيير دفة الحكم وصنع القرار السياسي الأميركي.

لكن لا بد من القول ان هنالك ماءاً في الجزء الآخر أو السفلي من الكأس. لا بد أن الرئيس الأميركي المنتخب يحمل في ثنايا عقله الباطني صوراً عن مآس وكوارث نجمت عن تأسيس إمبراطورية أمنية عسكرية في النصف الغربي من الكرة الأرضية. «ديموقراطية» عانت الأقليات فيها ما عانت وفي مقدمتها الأقلية من ذوي الأصول الأفريقية وأشباههم اللاتي ينتمي إليها باراك أوباما ولو جزئياً من جهة والده.

في نهاية الأمر يمكن القول انه يجب على المستضعفين في الأرض أن يتفاءلوا وينظروا إلى أوباما على أنه قابل لأن يصبح «روبين هود» الإدارة الأميركية ذات الكونغرس والشيوخ المعهودين بالوقوف مع ظالم واحد ضد كافة المضطهدين من الضحايا.

جامعة الإمارات

Nasrin@uaeu.au.ae