فشل الحوار الفلسطيني قبل ان يبدأ ، ينبغي أن يكون دافعا لاستمرار المحاولات من أجل استعادة الحوار وصولا الى الوحدة الوطنية ، و ليس سببا لتصعيد الخلافات الداخلية الفلسطينية ، او لتشديد الحصار المفروض إسرائيليا على غزة المحاصرة أصلا منذ حوالي سنة و نصف.

ربما شاءت الصدف فقط أن تلتقي التطوّرات على الساحة الفلسطينية الداخلية بتشديد الحصار الاسرئيلي المفروض على قطاع غزة ، و لكن نتيجة ما يحدث ، واحدة ، و هي صيحة الفزع الألف ، او الملين ، التي تطلقها وكالة غوث و تشغيل اللاجئين في غزة ، دون جدوى ، بأن القطاع بات يعيش وضعا كارثيا ، بعد كل المعاناة التي عاشها في الفترة الماضية. بل ان تحركات الاحتلال الاسرائلي من توغلات مباغتة و من استطلاعات جوية فوق القطاع تنذر ، كما حذّر من ذلك فلسطينيون ، باجتياحات شاملة لا يمكن إلا أن تزيد في معاناة الشعب المحاصر ...

تشديد الحصار الاسرائيلي و تصعيد ممارسات القمع ضد قطاع غزة ، وأن حمل شعارات إسرائيلية دفاعية ، إلا أنه مؤشر على حملة اسرائيلية جديدة تستهدف تطويع مواقف حركة حماس في غزة ، و استنزاف مقدرات الصمود لدى أبناء القطاع والمقاومة الفلسطينية فيه و محاولة التأثير على مواقف حماس من التهدئة أو المفاوضات والتسويات المقبلة. وكل الأسلحة في ممارسة هذا الضغط ، هي أسلحة مشروعة من المنظور الاسرائيلي ، ما دامت اسرائيل تحظى بغطاء دولي ضمني للاستمرار في الحصار ، طالما ظلت حماس تتمسك بمواقفها ... لا يهم مع ذلك ، كل النتائج الكارثية للحصار والتي أصبحت معلومة للجميع في كل أنحاء العالم.

الحصار المفروض على غزة ، والآثار المأساوية التي يخلفها ويرصدها العالم منذ أكثر من سنة ونصف ، لم يحرك ساكنا لدى المجتمع الدولي ، رغم استمرار إسرائيل في سياسات الاستيطان وتهويد القدس وغير ذلك من الممارسات ، بما يدفع الى القول بأن سياسة الحصار والتجويع التي تمارسها إسرائيل ، إنما تتم بضوء أخضر دولي ، وأنها قد تكون الموقف الدولي الرسمي تجاه حماس وإن دفع الشعب الفلسطيني كله ، ثمن هذا الموقف ..

كل ذلك بات معلوما ، اليوم ، بعد كل ما عايشه الفلسطينيون بسبب الحصار ، غير أن ما لا يمكن القبول به ، هو تزامن هذا الحصار الاسرائيلي مع استمرار الخلافات الفلسطينية ، ومع حملات اعتقالات متبادلة مازالت تتم ، في غزة وفي الضفة ، وقد ضرب طرفا الخلاف الفلسطيني بنداءات أبناء شعبهما ، عرض الحائط ، وتمسك كل طرف منهما بسلامة موقفه.

الوضع الفلسطيني بات على أبواب كارثة وطنية حقيقية بسبب حصار اسرائيل ، و لكن خاصة بسبب استمرار الخلافات الفلسطينية التي أضرت بمصداقية الطرفين الفلسطينيين المتخاصمين والحقت الأذى بمقاومته الباسلة والصابرة منذ أكثر من ستين سنة. بل إن استمرار هذه الخلافات العبثية ، (رغم أهمية الاختلاف بين الحركتين المتخاصمتين ، حول سبل المقاومة و خياراتها) بات يوفر مبررا للبعض لرفع اليد عن هذه القضية. و ما لم يتداع الفلسطينيون الى موقف وطني موحد ، فإنهم سيلحقون بقضيتهم ما عجزت اسرائيل عن القيام به حتى الآن.