تريد الحكومة العراقية عرض الاتفاقية مع أميركا على دول الجوار العراقي.. لماذا؟ ما شأن الجوار العراقي بما في العراق؟ ما شأنه في القضايا الوطنية الدقيقة والمحاطة بسرية في زمن الادعاء بالشفافية؟

وهي شفافية لم يرفع ستارها بعد، ولا علم لنا بمحتواها، ولم يطلع عليها أحد من العراقيين، وما زالت مداولاتها تجري بين الزعماء العراقيين بسرية وحذر لا ندري ما يبررهما في ظل الشفافية المزعومة، في حين تنحو الحكومة إلى عرض الاتفاقية على دول الجوار قبل أن يعرف الشعب العراقي عنها شيئاً. ما الداعي إلى ذلك؟ وما معنى أن تطلع عليها دول الجوار؟ ولبعض هذه الدول مواقف لا تُحمد مع العراق.

ومن المفترض أن تكون هذه الاتفاقية ذات مساس بالقضايا العراقية السيادية التي لا شأن لغير العراقيين بها، فلماذا تُعرض عليهم؟ ألا يُتوقّع أن تتدخل دول الجوار هذه في مدلول الاتفاقية من منطلق مصالحها الخاصة، وتحذف وتضيف إلى موادها ما يضمن تلك المصالح على حساب العراقيين؟

وسيقتضي هذا التدخل إطالة أمد معالجة هذه المعضلة التي أكلت من أعصابنا ما يكفي ويزيد، وأشبعتنا من الوعود والوفود والمؤتمرات والتعديلات وإعادة التعديلات، وتراكم وتزاحم التصريحات التي لا صحة لها، فإلى متى؟ هب أن إحدى دول الجوار اعترضت على مادة في هذه الاتفاقية؛ فماذا سيحصل؟

ستعيدها الحكومة العراقية إلى مجلس النواب الذي سيقترح بدوره عقد جلسة لمناقشتها، وستتأجل المناقشة، كالعادة، إلى جلسة لاحقة، حيث تؤلف لجنة جديدة بمتابعة الموضوع؛ ولا يعلم إلا الله ماذا سيكون موقف دولة الجوار.

ألا تحس الحكومة العراقية ببعض الحرج من هذا الوضع الذي يحيل العراق إلى دولة قاصرة بحاجة إلى من يرعاها ويُعني بشؤونها الخاصة ويكفل وجودها ويتوكأ عليها في تقرير كيانها وكأنها يتيمة في هذا العالم؟ من أين تنطلق الحكومة العراقية في تقرير هذه الشؤون ذات المساس بذات الشعب العراقي وكينونيته وطموحه ومستقبله؟

أيكفي أن تكون (حكومة)، وإن كانت مشلولة الخطى، محاصرة بألف ضغط، لكي تتصرف بمعاناة الشعب العراقي وتاريخه، وتستجدي موافقة دول الجوار التي لا يأمن الشعب من نواياها، والتي شهد من بعضها ما لا يريد أن يشهده مرة أخرى.

مسألة الاتفاقية العراقية الأميركية شأن عراقي خالص لا حق لأحد فيه، وينبغي أن يبقى شأنا عراقيا خاصا لا دور لأحد سواه فيه، وعلى الحكومة العراقية أن تظل حكومة عراقية حتى في ظل الاحتلال؛ وعليها أن تطلع الشعب العراقي بما يتعلق بمصيره قبل أن تستجدي رأي دول الجوار، وتتناسى ما تشترطه عزة النفس وهيبة البلد.

هذه خمس سنوات عجاف في منطق الواقع، أي قياسا على ما كان ممكنا وضروريا لاجتياز الكثير مما جاء به الاحتلال، ولكننا ما زلنا نتداول الكرة من يد إلى يد، من اجتماع إلى اجتماع، ومن كتلة إلى كتلة، وباب الصبر على البلاء مشرع وجاهز لاستقبال الجديد منه.

وللواقع، لا ننكر ما تخلل هذه السنوات العجاف من جهد وإنجازات في نواح كثيرة في الحياة العراقية، ولكنها ليست بمستوى حاجة البلد وإمكانياته؛ ولا نكران من كون الكثير من العراقيل كانت من هدايا دول الجوار؛ وها نحن نمهّد لها سبل التدخل بدعوة مفتوحة منا للمشاركة في تقرير شؤوننا.

علاقتنا بدول الجوار علاقة حيوية ومصيرية، وذات شروط أخلاقية، ولا بد من تعزيزها وتنقيتها مما علق بها من شوائب ضارة لنا ولها، وتوفير مستوى لائق من حسن الجوار الحقيقي الذي يكفل كرامة الأطراف.

mohammed_saggar@yahoo.fr