أظن أن تطورات الأحداث في المنطقة وفي العالم قد أزاحت كل دعوات الانكفاء إلى الداخل التي سادت عالمنا العربي في السنوات الأخيرة، والتي ارتفع فيها شعار ( نحن أولا) في كل قطر عربي في مواجهة أي دعوة للتضامن العربي الحقيقي.. وكأن هذا التضامن المطلوب والضروري يتعارض مع مصلحة كل قطر عربي ولا يتكامل معه.
هكذا رفع البعض شعارات مثل «مصر أولا» أو «الأردن أولا» أو « لبنان أولا» وكأنه إعلان عن فك ارتباط مع القضايا العربية وانكفاء على الشأن الداخلي. وكان ذلك يترافق مع حملة ضارية تقوم على أن الاهتمام بالشأن العربي ( وفي القلب منه فلسطين) هو الذي أدى إلى استنزاف الجهد والموارد العربية، وهو الذي أدى إلى تراجع التنمية وغياب الديمقراطية، وأن الحل هو انكفاء كل قطر على همومه الداخلية وحدها.
وكان ذلك يترافق أيضا مع سياسة أميركية للمحافظين الجدد الذين سيطروا على القرار الأميركي وقادوا الإدارة والمنطقة إلى مأساة العراق.. سياسة ترفع في العلن مبدأ دعم الديمقراطية في العالم العربي، وهو ما راهن عليه البعض في إحداث إصلاح سياسي مطلوب عن طريق الضغط على النظم العربية.
ثم ما لبث الرهان أن سقط بعد تخلي أميركا عن ذلك طلباً لدعم النظم العربية لإخراجها من مأزق العراق، ليكتشف الجميع أن الإصلاح الديمقراطي في العالم العربي لا يمكن أن يكون سياسة أميركية ولا يمكن أن يتحقق إلا بالجهد الداخلي ،أما الهدف الحقيقي لهذه السياسة فهو القضاء على الرابطة العربية أيا كان مستواها، وتفكيك العالم العربي إلى وحدات صغيرة تدخل في إطار الشرق الأوسط الكبير تحت الهيمنة الأميركية ؟ الإسرائيلية.
الآن ومع السقوط الأميركي في المنطقة، ومع أزمة النظام المالي العالمي، ومع الفراغ الأمني الذي لا يمكن معالجته بالأحلاف الأجنبية أو القواعد العسكرية التي تملأ المنطقة، وبعد أن «اكتشفت!!» إدارة بوش في عامها الأخير انه لا استقرار ولا أمن في المنطقة إلا بعد حل القضية الفلسطينية.
وبعد أن قاد الانكفاء إلى الداخل إلى غياب التأثير العربي ليكتشف العرب في النهاية أن مصير المنطقة يقرره غيرهم، ثم بعد أن جاءت الأزمة المالية العالمية بعد أزمة الغذاء بكل تداعياتها الراهنة المستقبلية.. يعود الجميع ؟ لو بدرجات مختلفة ؟ إلى إدراك خطورة الانكفاء على الداخل وحتمية التعاون العربي لمواجهة التحديات الهائلة التي يواجهها العرب في مختلف أقطارهم.
ولو توقفنا عند حالة مصر باعتبارها القوة العربية الأكبر لوجدنا الفارق كبيراً بين الموقف الآن والموقف قبل سنوات قليلة، حيث كان صوت « مصر أولا » يعلو باعتباره دعوة للانكفاء على الداخل، وكان الشعار يجتذب بقايا أنصار السادات في الحكم.
كما يجتذب قوة من رجال المال الطامحين في الهيمنة على الاقتصاد ونهب المال العام، كما كان ؟ للغرابة ؟ يضم أيضاً بعض الإصلاحيين الذين توهموا أن الابتعاد عن « الهموم !!» العربية يوفر فرصة للإصلاح دون استنزاف ما تبقى من جهد بعد حروب طالت وبعد « سلام !!» يقال إنه تحقق !!
الآن يدرك الجميع خيبة هذه الرهانات التي كانت الغالبية العظمى تعرف مداها. فالأمن الوطني يظل مهدداً بالأوضاع في فلسطين والسودان، والمصالح مشتركة مع الأقطار العربية جميعها، ومصر لا يمكن أن تكون بعيدة عما يجري في الخليج ولا عن مستقبل العراق، وإذا كان الإصلاح بلا شك شأنا داخليا في كل قطر عربي.. فإنه لا يمكن أن يكون متعارضاً مع التعاون المشترك بل العكس هو الصحيح.
نختلف أو نتفق مع السياسات المصرية الرسمية، ولكن هذا لا ينفي حقيقة أن القاهرة الرسمية (مثلها مثل الكثير من العواصم العربية) تدرك الآن أكثر من أي وقت مضى منذ رحيل عبد الناصر أن الانكفاء للداخل كارثة لا يمكن تحملها لان الأمر يعني التهديد المباشر للأمن الوطني. ومن هنا تنخرط مصر في جهود المصالحة الفلسطينية، ويذهب الرئيس المصري إلى جنوب السودان لأول مرة منذ زيارة عبد الناصر في بداية الستينات، ويخرج الدور المصري عن سلبيته الطويلة في لبنان.
وإذا كان هذا التحرك يترافق مع تحركات عربية كثيرة تنهي مرحلة الانكفاء الداخلي، فإن المطلوب هنا أن تتكامل الجهود ولا تتنافر، وألا يتوقف السعي من أجل مخطط عربي متكامل في مواجهة التحديات التي تحاصرنا من كل اتجاه. وأظن انه مهما كانت الصعاب فإن استعادة التضامن بين القاهرة والرياض ودمشق هو مهمة لا ينبغي التقاعس عن بذل كل الجهود لإنجاحها كمقدمة ضرورية في هذا الاتجاه.
و يبقي النضال من أجل الإصلاح والتقدم على طريق العدل والديمقراطية حقاً وواجباً داخل كل قطر عربي.. ولكن من قال أن العمل العربي المشترك أو التكامل الاقتصادي سيكون على حساب كل ذلك ؟ ولماذا لا تنفتح في ظل التكامل السياسي والاقتصادي والعسكري أبواب للإصلاح كانت مغلقة في ظل سياسة الانكفاء للداخل التي تركت ظهور الجميع مكشوفة بلا استثناء !
