تعمد إسرائيل، بين الحين والآخر، إلى تذكير واشنطن بثوابت معينة في علاقاتها معها. خاصة فيما يتعلق بدور هذه الأخيرة في مفاوضات السلام، التي انطلقت مع أوسلو. وغالباً ما يحصل ذلك، مع مجيء إدارة أميركية جديدة، ديمقراطية كانت أم جمهورية.
علماً بأن تل أبيب تدرك أن هذه الأساسيات محفوظة ومضمونة؛ وأن مفاتيحها في عاصمة القرار لديها من القدرة والتأثير ما يكفي لحراستها ومواصلة الالتزام بها. لكنها لا تطمئن للسائد والمعمول به. لئلا تكون هناك ولو بذور نيّة لدى القادم الجديد إلى البيت الأبيض، بتعديل هذه القاعدة. لذلك فهي تلجأ دوماً إلى الاستباق وقطع الطريق على مثل هذا الاحتمال؛ مهما كان ضعيفاً.
آخر نسخة من هذا النموذج، كانت في رسالة الوزيرة ليفني، إلى الرئيس المنتخب أوباما. في كلمة لها أمام زعماء المنظمات اليهودية الأميركية الكبرى، في نيويورك؛ قالت إن إسرائيل ليست بحاجة إلى «أي تدخل دراماتيكي» من جانب الرئيس المنتخب أوباما؛ في عملية التفاوض مع الفلسطينيين. المطلوب فقط، أن يبقى تدخلها «محصوراً في دعم هذه المفاوضات، حسب الخطوط التي حدّدها أنابوليس». الرسالة واضحة وصريحة، من شقّين:
الأول، أن هناك قاعدة سارية منذ وقت طويل، تقضي بأن تبقى إسرائيل مستفردة وحدها بالجانب الفلسطيني، داخل غرفة المفاوضات؛ لضمان انعكاس التوازن المختل لصالحها على سير العملية وبما يكفل عدم خروجها من الدوامة الإسرائيلية الخانقة، المتحكمة بها.
الشقّ الثاني، أن إسرائيل لا تريد الإخلال بهذه القاعدة، وتطالب الرئيس المنتخب الالتزام بها.
طلب بمثابة خطّ أحمر، وضعته ليفني برسم الرئيس. ويأتي هذا الإبلاغ بالترافق مع تصعيد إسرائيلي، متعدّد الجوانب. الحصار يشدّ خناقه على غزة. سياسة التوغل والاغتيالات تعود إلى ما كانت عليه قبل التهدئة. عشرات المشاريع الاستيطانية في الضفة، تجري المصادقة عليها؛ ناهيك بعملية التهويد المتواصلة في القدس. والمؤسف أنه في مقابل هذه الهجمة الإسرائيلية على كافة الجبهات، تتصاعد حرب التراشق بين الفلسطينيين؛ فتنتقل من تبادل الاتهامات إلى التقاذف بلغة التخوين والشتائم!
لا بدّ أن أوباما يدرك، من تجربة المفاوضات، أن ما تطلبه ليفني ليس سوى وصفة للاستمرار بالمماحكة الإسرائيلية. كما لا بدّ أنه سمع من أكبر مستشاريه في السياسة الخارجية، زبغنيو بريجنسكي؛ أنه من دون انخراط أميركي فعال ومباشر، لن يتم بلوغ أية تسوية أو سلام. وأيضاً هو يعرف أن على الطاولة «مبادرة عربية» يمكنه الاتكاء عليها إذا أراد الانخراط. يبقى أن يفعل. أيضاً يبقى أن يصار إلى مطالبته بذلك؛ وعدم ترك الساحة خالية للمطالب الإسرائيلية.
