الزمان ظل المكان، وبين مكوث المكان وامتداد الظل وانحساره، تنشأ الأشياء وتظهر الشخوص وتطرأ الأحداث، وتمتد بها الآماد والآجال لتلعب دورها في الحياة بين لحظتي الابتداء والانتهاء، ثم لا يستمر حاضرا بلا انقطاع إلا ما بقيت وظيفته قائمة بلا انتهاء، وسائر الأشياء ماتزال أكثر احتياجا إليه مما هو محتاج إليها.
ومع أن الأسماء التي أسبغها الله تعالى على المسجد الحرام هي تكليل له بالشرف والمكانة وعلوّ الشأن، إلا أن الكعبة أو مكة أو المسجد الحرام أو أم القرى أو البيت العتيق لها أبعاد أخرى تحمل دلالات وكنايات عميقة عن تعدد الأدوار وتنوع الوظائف والأغراض التي وُضع من أجلها هذا البيت المقدّس الرابض في ملتقى شعاب الجبال الجرداء، في هيبة آسرة للقلوب وعظمة تختلج الأفئدة وبهاء يأخذ بالألباب.
قصة أقدس البقاع بدأت من قول الحق تباركت أسماؤه: إن أول بيتٍ وُضع للناس لَلذي بِبَكة مباركاً وهدى للعالمين.. (الآية 96، سورة آل عمران)، إنه مهبط الرسالة الخاتمة ومُتنزّل الرحمات ومرتجى الغفران ومستصحّ الأبدان ومستنمى الأموال ومستَرْبى الأجور والمثوبات ودلالة الهداية وشعار الحق وموطن المثابة ومستقر الأمان ومنتهى أَرَب الآتين من كل فجٍّ عميق.
كما قال رب البيت (وضع للناس) و(مباركا وهدى للعالمين) وليس تخصيصا للمؤمنين فقط، إمعانا في إعطائه العمق الاستراتيجي الأبعد تأثيرا للموقنين والأسخى عطاء للخلق، ومع أنه وضع أساسا (للناس) وهو اسم جنس يستغرق كل البشر، إلا أنه هدى (للعالمين) وهو اسم جنس يستغرق كل المخلوقات؛ وهنا مكمن الحكمة من بقائه المديد منذ بدء الخليقة وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لهذا فهو مبارك.
ولكن، ما هي تلك الدلالات والإشارات التي يهدي بها هذا البناء الحجري الصامت أولئك الحيارى والتائهين الأحياء ذوي العقول المفكرة والآذان السامعة والعيون المبصرة والألسن المتكلمة والأطراف المتحركة؟، إنها في المضامين والكنايات والدلالات الرمزية المستودعة في كل حجر من حجارة هذا البيت، وفي المناخ الذي اختير له بإعجاز يقشع الغشاوة عن أفهام العالَمين العوراء، وينفخ اليقظة في ضمائرهم المغمي عليها.
مع توجّه أنفس المؤمنين وقلوبهم حيثما كانوا بصلواتهم شطر هذا البيت، رغم أنه غائب عن مرمى أبصارهم، ومع يقينهم بوجوده على الأرض حقيقة في الجهة التي يُولّون وجوههم شطرها ولو لم يكونوا قد رأوه من قبل رأي العين، فيكبّرون بالصلاة وفي تلك الأنفس والقلوب يقين آخر بأنها لا تعبد البيت بل تتجه إليه امتثالا لأمر الله معبودها الحق الذي تستودعه إيمانها وتصديقها وإخلاصها، مع أنها لم تبصره ولم تسمعه ولم تدركه بحواسها، بل توقن بحقيقة وجوده في السماء متعاليا على كل الخلائق، في المكان الذي أخبر هو بنفسه أنه فيه؛ فإن كل الطواغيت تندكّ بهذه الدلالة الرمزية، ويتصاغر المتجبرون والفرعونيون، وينكشف زيف كل ممارسات الاستعلاء والاستصغار والإذلال التي يمارسونها ضد البشر.
إن بقاء البيت كوثيقة مادية منذ بدء التاريخ وعلى امتداد الدهور والأحقاب والعصور والأزمنة بلا زوال، بينما القصور والصروح والعروش من حوله تُشيّد ثم لا تلبث أن تتهشم وتندثر وتمسي أطلالا وخرائب، هو دلالة رمزية على غلبة لله بتقييضه من يعيد بناء البيت إذا هدمته السيول أو آذته أيدي الأشقياء من البشر، ولو شاء الله ما مسّته أيديهم كما فعل بأصحاب الفيل.
وبينما النصّابون والأدعياء يتنازعون ملكية ما لا يملكون أكثر مما يتنازعون ملكية ما يملكون، كان هذا البيت وعلى امتداد الزمان رمزا لغلبة الله، فلم يدّع مدّع ملكيته ولو كذبا؛ وبينما الشيطان يطمس ذاكرة آدم عليه السلام وذريته بالغفلة أو كلما اجتاحهم بالنسيان، كان الله تعالى له بالمرصاد ليبعث في الناس من يدلّهم على مكان البيت.
ليبقى في الأرض بلا انقطاع دلالة ورمزا يوقن بهما عقلاء العالمين أن القوى الغاشمة والمذاهب والتيارات الفاسدة اجتماعية كانت أم اقتصادية أم إيديولوجية مغلوبة، وأنها تحمل في أحشائها شهادة وفاتها، وإن علت وعاثت في الأرض فسادا حينا من الزمن.
ومع أنه بيت الله الأعظم إلا أنه يتهدم ويحرق ويخرّب، كما أنه بواد غير ذي زرع فلا بساتين ولا أشجار ولا جماليات مادية تحيط به كبيوت الناس، بل تحيط به أرض صحراوية قاحلة ممحلة لا شيء فيها تستهويه النفس البشرية.
ولولا عين الماء التي تنبع فيها لم تكن لتصلح للعيش والعمران، إذن تلك هي دلالته الرمزية للحياة الدنيا، وحقيقةُ عدم صلاحيتها لسرمدية العيش ولا لديمومة السكنى وهي التي تتقلب وتتلون بين حياة وموت وعافية وبلاء وبناء وأنقاض وخير وشر، وبهذه الدلالة يدرك المؤمن أن تطور وسائل الرفاهية وتطويع قوى الطبيعة لن يجلب للبشرية السعادة المطلقة، ولن يجنّب الإنسان كروب الحياة، إذ لا أمل لهذه الحياة في أن تهنأ بالفرح المطلق الذي تبحث عنه، ولا في إدراك الفضيلة التي تهذي بها.
وما دام المكوث مقدرا للبيت على هذا المنوال، مؤتنسا بضجيج الحجيج وتوسلاتهم ونُواح النادمين وعَبَراتهم، فهذا يعني أن الرسالة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم ما تزال ماكثة في الأرض وإن لم تكن لأتباعه الغلبة، وأن ساعة هزيمة الرسالة أو طمسها لم ولن تأزف، وبهذا يكون البيت دلالة رمزية على مكوث التاريخ، ودلالة للأمة المحمدية بأن النفق المظلم ليس مظلما كله، وليس طويلا بلا نهاية، وأن المظلم هو اليأس، وأن تباعد النهاية لا يتوالد إلا في النفوس المترددة والكسولة.
ولأنه وسط في حجمه فلا هو بالضئيل فيستصغره الناس، ولا هو بالهائل فيوهن عزيمتهم، فإن البيت يقدم بذلك دلالة رمزية على أن الإسلام دين وسطي متزن في عقائده وتكاليفه، فلا هو بالمفرط في البساطة، ولا هو بالكثير التكاليف فيعجز الناس عن العمل بها؛ وهو أيضا دلالة رمزية على أن من يقدّس البيت لا يتلقى تعاليم دينه إلا من رب البيت.
ولأنه قِبلة الوجوه والقلوب الخاشعة فهو بذلك دلالة رمزية على وحدة الكلمة؛ وهو أيضا دلالة رمزية على مكان الإيمان، فكما يتحلق المسلمون في صلاتهم حول البيت ويجعلونه في قلب اجتماعهم على خلاف صلاتهم في سائر المساجد، كذلك فإن الإيمان يستقر في قلب المسلم وليس في لسانه؛ وبهذه الدلالات مجتمعة يكون البيت دلالة رمزية على أن البشرية بغير منهج الله لا ولن تجيد ابتكار الحلول لأسقامها ومآزقها وعذاباتها، وأن حيدتها واستعلاءها على الله لن يزيدها إلا سفالة وتأزما وعذابا.
وكما أن هذا الشكل الهندسي المكعب شديد البساطة في خطوطه وصريح بلا تفاصيل معمارية معقدة ولا زخارف متشابكة، ومع ذلك فهو راسخ في قواعده، متماسك في بنائه، جماليّ في شكله؛ فتلك دلالته الرمزية لجوهر الإنسان في نموذجه المثالي الذي لا يقتدر على محاكاته إلا المسلم الملتزم، فالمسلم بسيط في تكوينه العقدي، صريح في علاقاته ومعاملاته، ولكنه مع ذلك ملتزم بمبادئه وأخلاقه، جمالي في نظرته للوجود، ومثلما أن البيت مبارك وهداية للعالمين، فهذه دلالة رمزية على أن المسلم بتكامل تكوينه العقدي والسلوكي لا يجب عليه أن يكون إلا مباركا وهدى للعالمين.
كاتب إماراتي
