بدأ موسم التنصل من الاعتماد على الحماية الأميركية. فأميركا التي دخلت مرحلة التصدع الاقتصادي طويل المدى لم يعد لديها هاجس سوى حماية نفسها داخلياً.

هذه هي الحقيقة الأساسية التي ينبغي أن نقرأ من خلالها الزيارتين المتتاليتين إلى دمشق لوزير داخلية لبنان أولاً ووزير خارجية العراق ثانياً.

وزير الداخلية اللبناني جاء لنقل رغبة حكومة السنيورة في فتح صفحة جديدة مع سوريا تحت عنوان التنسيق الأمني ضد جماعات إرهابية تتنقل بين الأراضي اللبنانية والأراضي السورية لتنفيذ عمليات تفجيرية.

ووزير الخارجية العراقي أتى ليوضح للمسؤولين السوريين تبرؤ حكومة المالكي من عملية هجومية أميركية بطائرات مروحية انطلقت من الأرض العراقية لقصف قرية حدودية سورية قبل نحو أسبوعين.. وللإعراب عن عزم الحكومة العراقية عدم السماح بتكرار مثل هذا الاعتداء.

انتهى إذن أو كاد عصر الاستفزاز اللبناني والعراقي لسوريا وشن هجمات دبلوماسية وأمنية عليها دون هوادة اعتماداً على المساندة الأميركية.

في مؤتمر صحافي في دمشق أعلن وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري أن حكومته رفضت الغارة الأميركية على سوريا وأنها لم تستشر ولم تكن الغارة بعلمها «لا من قريب ولا من بعيد» على حد قوله.

وقال زيباري: نحن لم نكن على دراية إطلاقاً وطلبنا ألا يتكرر هذا الأمر لأنه يسيء للعلاقات مع سوريا.

إنها لغة عراقية جديدة تجاه دمشق تنبئ عن تحول الارتباط العراقي الاستراتيجي بالولايات المتحدة وأجندتها الشرق أوسطية، ومع ذلك ليس هذا هو الأخطر في حديث زيباري.

فالأخطر هو قوله «لن تكون هناك أي قواعد دائمة للقوات الأميركية في العراق».

هل كان لمسؤول عراقي ـ وخاصة زيباري أن يتحدث علنياً ورسمياً عن الولايات المتحدة بهذه الجسارة لولا أن حلفاء واشنطن في العراق أدركوا حقيقة أن الظل الأميركي في ساحة الصراع الدولية أخذ يتقلص إيذاناً بانكماش النفوذ العالمي للدولة العظمى.

ومما لا شك فيه أن القيادات المناهضة لسوريا في بيروت توصلت أيضاً إلى إدراك بأن فراغ القوة الذي خلفه تراجع النفوذ الأميركي سوف تعود سوريا إلى ملئه.

إننا نشهد الآن انطواء صفحة الاستراتيجية الأميركية القائمة على مبدأ «عزل سوريا». وهذا مما يفسر لنا سكوت قيادات «14 آذار» اللبنانية. فهو مقدمة لـ «الحج» إلى دمشق.

opinion@albayan.ae