ليست حقائق التاريخ والجغرافيا فقط بل وضرورات الحاضر والمستقبل أيضاً، ونهر النيل الذي يمثل شريان الحياة الذي يربط مصر والسودان هي ما يؤكد ليس فقط أزلية العلاقة بين الشعبين الشقيقين المصري والسوداني، بل أيضاً مصيرية العلاقات بين هذين البلدين الجارين.

وإرادة الشعب الواحد في جنوب الوادي وشماله بتدفق مياه النيل في مجاريها بين أكبر بلدين عربيين سكاناً ومساحة، لتفيض خيراً وبركة ليس فقط على شعب وادي النيل، بل أيضاً على شعوب العرب والمسلمين، تؤكد الإدراك العميق المشترك ان أي تهديد للجنوب هو تهديد للشمال وبالعكس، وبأن مصر هي العمق الاستراتيجي للسودان، وأن السودان هو العمق الاستراتيجي لمصر.

نقول ذلك قبل وبعد الزيارة المهمة للرئيس المصري حسني مبارك للخرطوم ولقائه بأخيه الرئيس السوداني عمر البشير لتعزيز العلاقات بين شمال الوادي وجنوبه، والزيارة التاريخية لـ «جوبا» لتعميق الوحدة بين شمال السودان وجنوبه.. حيث ان العديد من المشاهد على مدى نصف القرن الأخير منذ استقلال السودان عن مصر عام 1956 وحتى اليوم من جنوبه إلى شماله ومن غربه إلى شرقه تشير كلها إلى استمرار المخطط الغربي المناهض لأي وحدة وطنية سودانية أو لأي اتحاد عربي مصري سوداني دون موقف وطني أو عربي قوي في مواجهة محاولات تقسيم المقسم وتجزيء المجزأ.

ومسلسلات التمرد الدورية والمتنقلة الساعية إلى محاولات تقسيم السودان بين شمال وجنوب أو بين شرق وغرب تحت دعاوى مختلفة، عبر سلسلة من الحروب الأهلية المدعومة غربياً، هي ترجمة لهذا المخطط المعادي لأي اتحاد وطني أو عربي وأي تضامن عربي إفريقي أو عربي أو إسلامي واستمراره في التنفيذ دون حائط صد عربي قوي يمنع هذا المخطط الشرير من النفاذ بسبب الخلافات بين بعض العواصم العربية الكبرى!

هذه المحاولات لضرب وحدة أراضي الوطن السوداني بمكوناته الثرية العربية والإفريقية والإسلامية والمسيحية، بدعم الخلافات والتوترات بين قواه الوطنية، ومحاولة وضع إفريقيته في مواجهة عروبته، ووضع العروبة والأفرقة في مواجهة الإسلام، تسعى لإبقاء السودان تحت المرجل، فما إن تطفئ نيران واحدة في الجنوب بمعاهدة «نيفاشا» سرعان ما تندلع في الغرب، وما أن تلوح في الأفق نهاية في الغرب تنتقل إلى الشرق!

والحرص على سلامة ووحدة وسيادة الشعب السوداني الشقيق لابد أن يدفع أبناءه الذين نثق في وعيهم إلى الارتفاع لأعلى درجات الحذر من قوى متربصة داخلية وخارجية، تستهدف ضرب استقراره، واختراق سيادته، وتمزيق وحدته، كما لابد أن يدفع أشقاءه الذين يعرفون أن المؤامرة ليست على السودان فقط وإنما تستهدف الوطن العربي، وأن وحدة وسلام وسيادة السودان هو جزء من وحدة وسلام وسيادة الوطن العربي، إلى المسارعة إلى تقديم الدعم والمساندة.

وليس من هو أقرب إلى السودان من مصر، ومن هو أقرب لمصر من السودان في السراء والضراء، ولقد شهدنا ذلك في مواقف كثيرة خصوصاً في «قمة الخرطوم العربية» عام 1967 حيث عبر الشعب السوداني في استقباله لجمال عبدالناصر في عز المحنة أبلغ تعبير عما يجمع بين شعبي البلدين من الشعور الواحد بالألم والأمل وبالمستقبل والمصير المشترك.

وليبقى سلام السودان، ووحدة السودان، وسيادة السودان، هو الأولى بالاهتمام من كل الذين يهمهم سلامة هذا الوطن العربي واستمرار دوره الكبير في الدوائر العربية والإسلامية والإفريقية.