لفت انتباهي في معرض الشارقة الدولي للكتاب في دورته الأخيرة -التي انتهت فعالياتها منذ أيام معدودة- تضاعف أعداد الطلبة والطالبات الذين جاؤوا في رحلات علمية للمعرض، وهو أمر نعتاده منذ سنوات طويلة، لكن الأعداد المهولة هذه المرة كانت لافتة للنظر بشكل كبير جدا، إذ إننا لم نكن نستطيع إيجاد حيز مكاني بسيط يتسع لمرورنا من مكان لآخر، ونحن نسابق الزمن كي لا نتأخر على موعد بداية اجتماع أو فعالية أو غير ذلك، ولكن هل كان هذا الحضور الكثيف جدا لطلبة المدارس وطالباتها مثمرا إلى الحد الذي يجعل سقف استقبال الطلبة مفتوحا على هذا النحو؟

من الطبيعي في أي موضوع أن يكون هناك مردود متناسب مع حجم المبذول. وحين يكون عدد الطلبة كبيرا إلى هذا الحد فمن الواجب أن يكون عدد الكتب التي بيعت منسجما مع هذا العدد. لا أملك ?حاليا- إحصائية دقيقة تفيد في هذا الأمر، لكن العين الشاهدة قد تكون كافية في بعض الأحيان، فأنا قد حضرت أيام المعرض كلها تقريبا، ما عدا آخر يوم، وقد كان يوم جمعة، ولا توجد فيه رحلات مدرسية، وحين كنت أجد فرصة لتأمل منظر الطلبة والطالبات وهم يتجولون في المعرض كنت أختلس النظر إلى أيديهم، لأرى إن كانوا قد اشتروا كتبا أو لا، وكم كنت أشعر بالحزن الشديد حين أجد أن عددا كبيرا منهم يتجول في المعرض دون أن يشتري كتابا واحدا!

هذا الكلام ليس مبالغا فيه، بل هو الواقع بعينه، لأنني كنت حريصة على الملاحظة والتدقيق، كما أن رؤية كتاب في يد طالب أو طالبة أمر ملفت للنظر، ويبثّ السعادة في النفس، ومع ذلك فقد كنت أرى أطباق الوجبات، وعلب المشروبات الغازية في أيدي الطلبة والطالبات أكثر مما أرى في أيديهم كيسا يحمل قصة أو كتابا خفيفا!

أربع عشرة ألف طالبة كن متواجدات في المعرض في أحد صباحاته المخصصة لطالبات المدارس، ومع ذلك لا أعتقد أن عدد الكتب التي خرجت من المعرض في ذلك الصباح بأيدي الطالبات بلغت ألفا وأربعمئة كتاب حتى، أي بنسبة عشر عدد الطالبات الموجودات في المعرض. والسؤال: لماذا؟.. ما الذي يجعل الطالبات يأتين لمعرض الكتاب ويخرجن دون أن يشترين شيئًا؟ ولماذا يحرص الطلبة على صرف ما في جيوبهم من نقود على الأكل الذي سيجدونه في أي ظرف خارج ذلك الزمان والمكان الخاصين بالمعرض في فترة محدودة كل عام، ولا تتكرر إلا في العام الذي يليه، ولكنهم يترددون قبل أن يقدموا على شراء كتاب واحد؟

الأولاد هم الأولاد، سواء كانوا في المنزل، أو في الحارة، أو في فناء المدرسة، أو بين أجنحة الكتب في المعرض؛ ففي اليوم المخصص للطلاب يصعب على أي شخص المرور بسلام في المعرض دون أن يحسب حساب ركلة تأتيه على حين غرة، أو رمية لعلبة مشروب غازي فارغة تقع على بعد خطوة منه، لأن حظه شاء له أن يمر بجوار الطالب الهدف الذي حدده الطالب «الرامي» لنفسه! والسؤال: ما دلالة هذا أيضًا؟ لماذا لا يعرف أولادنا أنه كما تقول العرب (لكل مقام مقال)، فإن لكل مقام سلوكا وتصرفا يليقان به؟

على من تقع مسؤولية كل هذا؟ وما دور المدرسة في توجيه الطلاب والطالبات نحو الاستفادة من هذه الرحلات التي ليس الغرض منها الترفيه بطبيعة الحال؟ وهل يوجد في المدارس من يراقب هؤلاء الطلبة والطالبات ليعرف من يستحق منهم أن يسجل في هذه الرحلة ذاتها في السنة المقبلة أو لا؟

أمر آخر جدير بالذكر في هذا السياق، وهو عملية الفصل القائمة عندنا بين المعرض نفسه، أي تجمع دور النشر التي تأتي لعرض إصداراتها من الكتب، وبين الفعاليات الثقافية والفكرية المصاحبة للمعرض، التي لم تُنظَّم بالطبع من أجل الصحافيين والإعلاميين وحدهم، ولم تُنظَّم فقط من أجل فئة معينة من المثقفين العرب الذين يملأون بحضورهم الجاد وبرغبتهم الصادقة في التواصل الثقافي والفكري فراغ مقاعد لا تزال تنتظر المثقفين الإماراتيين، والجمهور الإماراتي، من طلاب وطالبات المدارس والجامعات، ومن أرباب وربات الأسر.

لماذا لا تجد هذه الفعاليات التي تُقام وستبقى تُقام دائمًا وأبدًا وجوها إماراتية مهتمة تحضرها وتثريها أو تثري نفسها بها؟

أذكر في هذا السياق موقفا حدث أمامي، وهو أن إحدى الفعاليات التي أقيمت على هامش المعرض كانت تعاني من كثرة المقاعد الخالية، تقريبا لم يكن هناك حضور يُذكر على الرغم من جدة الموضوع، فوقفت إحدى الموظفات على باب القاعة لاجتذاب «الجمهور»، بعض طالبات من المرحلة الإعدادية استجبن ودخلن وحضرن الفعالية من أولها لآخرها، في حين أن إحدى المدرسات عندما خاطبتها الموظفة طالبة منها توجيه الطالبات لحضور هذه الفعالية للاستفادة قالت إنها ليست مكلفة بإدخال الطالبات لأي نشاط، وأوضحت أن الطالبات أتين فقط للمعرض ولا علاقة لهن بالمحاضرات أو الورش أو غير ذلك من فعاليات.. ومضت في طريقها!

عذرا أيتها المعلمة الفاضلة، إن الفعالية التي رفضت مجرد توجيه الطالبات أو عرض فكرة حضورها عليهن لم تكن تتعارض مع حضور المعرض والتجول فيه، وهذا الفصل التعسفي بين المعرض والفعاليات المقامة خلاله يكشف عن سوء فهم وتقدير لأهمية هذه الفعاليات، وتفويت لفرصة مهمة قد لا تتأتى مرة أخرى قريبا لك ولهن.

لا أعرف كيف يمكن تصنيف موقف هذه المعلمة، فقد كان وقت الفعالية مبكراً، ومدتها لا تتجاوز الساعة، وسيبقى الوقت بعدها طويلا للتجول في المعرض، لكنها لم تهتم بهذه التفاصيل، إذ مضت في طريقها قبل أن تكمل الموظفة حديثها، دلالة عدم الاكتراث بكل هذه التفاصيل، لأنها هي في قرارة نفسها ليست معنية بذلك. وفي المقابل، يوجد وجه إيجابي آخر للتعاون بين بعض المدارس وهذه الأنشطة الثقافية التي تُقام على هامش معرض الكتاب، إذ كان حضور الفعالية التالية لتلك الفعالية عبارة عن طالبات إحدى مدارس الشارقة الثانوية، بالتنسيق مع المنطقة التعليمية، وهو ما يثبت أن نصف الكأس مملوء بالفعل، ولكن حتى متى سيبقى نصفه الآخر فارغا؟

جامعة الإمارات