في كلمة كُرست لموضوع واحد فقط ألقاها أمام مؤتمر النخب والكفاءات العراقية ببغداد السبت المصادف الثامن من نوفمبر الجاري أشار رئيس الوزراء العراقي إلى ضرورة القيام بتصحيح علاقات الأقاليم والمحافظات مع المركز في دعوة واضحة لإعادة الهيبة والقوة إلى العاصمة وحكومتها. وعزا المالكي ضعف المركز وقوة الأقاليم والمحافظات إلى الدستور الذي كُتب في ظروف غير طبيعية.

وأكد المالكي «انه وجد كثيراً من الممارسات الخاطئة من قبل الحكومات المحلية في الإقليم والمحافظات يعود سببها إلى ضبابية التشريعات الدستورية»، وأضاف حول الدستور بأنه «ربما كُتب في أجواء كانت فيها مخاوف.. لكننا ذهبنا بعيداً في تكريس المخاوف وتكريس التطلعات». وقد حرص المالكي في نهاية الكلمة على القول انه لم يتحدث بصفته الرسمية كرئيس للوزراء وإنما كمواطن عراقي تهمه مصلحة العراق ومستقبل شعبه.

كان لهذه الكلمة فعلها، فقد سارع أكثر من مسؤول في إقليم كردستان إلى الرد بعنف، متهمين المالكي بتجاوز الحقائق والعمل على فرض سلطته الفردية وإقامة نظام مركزي، وان تعديل الدستور ينبغي أن يكون لصالح توسيع صلاحيات الأقاليم والمحافظات ورفع سقف الحريات وليس تقليصها لصالح المركز. كما تمادت الصحف الرئيسية في الإقليم التي صدرت في اليوم التالي في انتقاداتها لرئيس الوزراء مفسرة دعوته على أنها بداية لعودة النظام الديكتاتوري. وضم محافظ البصرة صوته إلى أصوات المسؤولين الأكراد وانتقد تصريحات المالكي قائلاً إن النهج المركزي لا يبني دولة.

وتأتي هذه الكلمة لتزيد من حدة الخلافات بين الحكومة والتحالف الكردستاني على قاعدة عدد من القضايا الكبيرة منها صلاحيات إبرام عقود النفط والمادة 140 الخاصة بكركوك والمناطق المتنازع عليها وحدود إقليم كردستان.

إلا أن رئيس الوزراء قد أبعد نفسه خلال الفترة الماضية عن أي احتكاك مباشر مع التحالف الكردستاني ويبدو أنه لم يعد هناك ما يبرر إخفاء الخلافات العميقة بين بغداد وأربيل خاصة بعد التصريحات التي أدلى بها رئيس إقليم كردستان في واشنطن والتي أعرب فيها عن ترحيبه باستضافة القواعد العسكرية الأميركية على أراضي الإقليم إذا رفضت حكومة بغداد توقيع الاتفاقية الأمنية مع واشنطن.

كما أضافت الأيام الأخيرة المزيد إلى الوضع المتشنج بسبب موافقة المالكي في السادس من نوفمبر الجاري على تشكيل مجالس إسناد عشائرية في محافظة كركوك تسهم في مساعدة الحكومة على فرض الأمن والتي كانت موضع ترحيب التركمان والعرب وموضع استهجان واستنكار الأكراد.

الأحزاب الأربعة التي تقاسمت الحكم، وما تزال، هي التي كتبت الدستور وعملت على استخدام ما توافر لديها من نفوذ في ظروف استثنائية وصل فيها الاستقطاب العرقي والطائفي ذروته لإمراره في استفتاء أيدته ملايين ممن لم تقرأ حرفاً واحداً منه وعارضته ملايين أخرى لم تقرأ كذلك حرفاً منه. فالعملية السياسية في العراق التي بنيت على المحاصصة العرقية والطائفية قد أضعفت كيان الدولة وشرذمت الشعب ونقلت ولاءات الأفراد إلى من يتزعم عرقهم أو دينهم أو مذهبهم أو عشيرتهم.

فالعبارات الملتبسة والصياغات الفضفاضة في العديد من مواد الدستور خاصة ما يتعلق منها بصلاحيات الأقاليم ومجالس المحافظات وما يتعلق بالثروات المستثمرة وغير المستثمرة تتيح لمن يسعى إلى زيادة مسافة الابتعاد عن المركز أن يستخدمها لصالحه.

تصريح المالكي هذا ليس الأول من نوعه فقد أبدى مراراً عدم ارتياحه لصلاحيات الحكومة المركزية دون ذكر إقليم كردستان وهو ما التزم به كذلك في كلمته الأخيرة، إلا أن الجديد في الأمر هو إشارته لأول مرة إلى الدستور ودعوته المباشرة لإجراء تعديلات تتفق مع ما يطمح إليه من حصر السلطات السياسية والعسكرية والأمنية والمالية في أيدي السلطة المركزية التي يترأسها.

التجربة السياسية في العراق توشك أن تعلن عن فشلها، فما ذهب إليه رئيس الوزراء العراقي من أن الدستور كتب في ظروف تطلبت الاستعجال ينسحب كذلك على العملية السياسية برمتها وأبرزها الانتخابات التي أتت بمجلس نيابي كتب هذا الدستور، وأجواء مستعجلة خلقت المناخ لإمراره، وحكومة قراراتها محكومة بمعادلات التوافق بين الكتل السياسية.

المالكي في إشارته إلى الخلل الموجود في الدستور يجس نبض الكتل السياسية ويرقب ردود الفعل التي قد تساعده على اتخاذ الخطوة القادمة وهي الدعوة إلى إجراء تعديلات فيه يحقق فيها بعض ما يسعى إليه.

التحالف الرباعي الذي تقاسم النفوذ والسلطة على مدى السنوات الماضية منذ انهيار النظام السابق على وشك التفكك والانهيار. فالخلافات بين الحكومة والتحالف الكردستاني في طريقها إلى التصعيد وليس لدى أي من الطرفين غير مواد الدستور للتمسك بها من أجل الخروج من الأزمة. ففي الوقت الذي يتمسك فيه التحالف الكردستاني بما ورد في الدستور من صلاحيات وحقوق للأقاليم ويقاوم أية محاولة للتعديل، سيعمد رئيس الوزراء إلى استخدام ما ورد في الدستور نفسه من أطر تسمح بإجراء التعديلات التي يرغب في الحصول عليها. وليس أمام من يتابع المسرح العراقي السريالي سوى توقع أحد المسارات الثلاثة:

1ـ لجوء التحالف الكردستاني إلى آلية إسقاط المالكي عن طريق سحب الثقة في المجلس النيابي سعياً لمجيء أحد القياديين في المجلس الأعلى الإسلامي المنافس القوي لحزب الدعوة الذي يتزعمه المالكي والأكثر قرباً إلى التحالف الكردستاني، وهذا ما نستبعده وذلك لصعوبة الحصول على ما يكفي من الأصوات لتحقيق الأغلبية المطلقة في المجلس النيابي.

2 ـ لجوء رئيس الوزراء إلى آلية تعديل الدستور، وهو أمر ممكن رغم صعوبته البالغة خاصة أن كتلاً سياسية عديدة قد رفضت الدستور في الماضي وأخرى قبلت به على مضض. المساند الوحيد للفيدرالية كما وردت في الدستور هو المجلس الأعلى الإسلامي الذي يمتلك ثلاثين مقعداً في المجلس وهو مع نواب التحالف الكردستاني البالغ عددهم ثلاثة وخمسون ونواب الاتحاد الإسلامي الكردستاني الخمسة يشكلون كتلة من ثمانية وثمانين نائباً سيقفون من الناحية النظرية ضد التعديل.

وهذا العدد لا يكفي للوقوف ضد إجماع ثلثي المجلس البالغ 183 واللازم للسماح بالتعديل. هذا إذا افترضنا بأن كل عضو في المجلس سيكون له موقف واضح مع التعديل أو ضده وهي فرضية قد تكون غير واقعية.

3 ـ استمرار حالة التشنج والجمود القائمة حتى موعد الانتخابات النيابية المقبلة في ديسمبر من عام 2009 ومجيء مجلس نواب جديد وانبثاق خارطة سياسية جديدة.

كاتب عراقي