في الجزء الأول من هذا المقال تكلمنا عن بعد ثورة نوفمبر الأيديولوجي والسياسي والتنظيمي والإعلامي وإلى أي مدى استطاعت هذه الثورة أن تقهر فرنسا وحلف الناتو وأن تصبح نموذجا يقتدى به من قبل الحركات التحررية في العالم. الجزائر اليوم بحاجة إلى روح ثورة نوفمبر وتنظيمها وأخلاقها وفلسلفتها وأيديولوجيتها لتتخطى الصعاب وتواجه التحديات العديدة. نواصل في الجزء الثاني من هذا المقال استعراض سمات ومميزات هذه الثورة المجيدة:

* استطاعت ثورة نوفمبر أن تجند بادئ ذي بدء الشعب الجزائري وأن تواجه استعمارا استيطانيا كان من أخطر أنواع الاستعمار في القرن العشرين، استعمار كان يهدف إلى القضاء على كل شيء اسمه الجزائر ثقافة وحضارة وتاريخا ولغة ودينا.

ثورة نوفمبر استطاعت أن تمحي 132 سنة من الاستيطان ومن الاستعمار رغم قلة الإمكانيات على مختلف الصعد وفي مختلف المجالات. لكن رغم كل هذا ورغم مختلف الفوارق والتناقضات المتواجدة في المجتمع الجزائري استطاعت الثورة أن توّحد الشعب وراء هدف سام وغال هو الاستقلال وتقرير المصير وهذا ما حدث.

* استطاعت الثورة على الصعيد العربي أن تكسب ثقة الدول العربية بأسرها، ليس هذا فقط وإنما استطاعت أن تكسب عطف ومحبة ومساندة الشعوب في هذه الدول العربية التي وقفت مع الثورة الجزائرية قلبا وقالبا حيث قدمت يد المساعدة ماديا ومعنويا.

*بعد سنة من اندلاع ثورة نوفمبر وقفت دول عدم الانحياز من إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وجميع دول العالم مساندة ومباركة للثورة وهذا يعتبر انتصارا دبلوماسيا كبيرا، حيث فتح الباب على مصراعيه للنشاط الدبلوماسي للثورة.

*على صعيد القارة السمراء والدول الإفريقية استطاعت الثورة أن تكسب الرأي العام الإفريقي وجلبت إلى جانبها معظم الحركات التحررية والدول التي حصل عدد كبير منها على الاستقلال بفضل الاعتبار الذي أعادته لها ثورة نوفمبر الخالدة.

* أعطت ثورة نوفمبر المجيدة اعتبارا كبيرا للشعوب المستضعفة والشعوب المستعمَرة ودول العالم الثالث والحركات التحررية حيث أصبحت المحافل الدولية والهيئات والمنظمات الدولية والقارية والإقليمية والجهوية تعتني وتهتم أكثر وأكثر بالشعوب المستضعفة وأصبحت هذه الشعوب تجد فضاء لها في أجندة هذه المؤسسات. كما أصبحت الشعوب الفقيرة والمستعمرات تأخذ من ثورة نوفمبر قدوة لقهر الاستعمار ولقهر مختلف القوى التي تعمل على طمس هوية الشعوب ونهب ثرواتها وخيراتها.

والجزائر اليوم تحتفل بالذكرى الرابعة والخمسين لثورة نوفمبر الغرّاء ما هي الدروس وما هي العبر؟ والعبرة هنا تتمثل في التخلي عن الحقد والضغينة وتستوجب التحالف والتضامن من أجل الأمن والاستقرار والطمأنينة وكما قال سليمان عميرات أحد السياسيين الجزائريين رحمه الله «لو خيّروني بين الجزائر والديمقراطية لاخترت الجزائر».

والجزائر وشعبها برهنوا للعالم بأسره في العديد من المرات عن المبادئ والقيم إقليميا وعربيا ودوليا وكم من مرة لعبت الدبلوماسية الجزائرية دورا إستراتيجيا في حل نزاعات كادت أن تؤدي إلى فتن وحروب لا تحمد عقباها.

لقد حان الوقت إذن لوقفة مع الذات وكفى سيل الدماء وكفى المجازر والجرائم المتتالية ولقد حان الوقت للتخلي عن الحزبية الضيقة وعن الأنانية المتطرفة وعن الوصول إلى السلطة بأية وسيلة، لقد حان الوقت كما في نوفمبر 1954م للتفكير في جزائر واحدة موحدة وحان الوقت لتوظيف واستغلال خيرات الجزائر وطاقاتها وإطاراتها للخروج من المحنة وتحدي المشاكل الداخلية وكل من يتربص بالجزائر ويريدها ممزقة دامية راكعة على رجليها.

فكرة الوئام الوطني جاءت لتغرس الرحمة في قلوب الشعب الجزائري للتراحم والتعاطف والتفاهم لاستدراك الوقت الذي ضاع والالتحاق بالركب. إن إقصاء الآخر واستعمال العنف والقوة والضغينة والحقد طرق وسبل أكدت التجارب والتاريخ فشلهم وإفلاسهم والجزائر اليوم .

وهي تحتفل بثورتها المجيدة ما عليها إلا أن تعود إلى مخزونها وتراثها الثوري وإلى تاريخها المجيد لتستلهم بالعبر وتستفيد من التجارب لمعالجة مشاكلها وأمراضها وتستعد للألفية الثالثة بروح الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحريات الفردية وحرية الفكر والتعبير والصحافة والتناوب على السلطة واحترام الفرد.

لقد حان الوقت إذن لوقفة مع الذات والتخلي عن الحزبية الضيقة وعن الأنانية المتطرفة وعن الوصول إلى السلطة بأية وسيلة، لقد حان الوقت كما في نوفمبر 1954م للتفكير في جزائر واحدة موّحدة وحان الوقت لتوظيف خيرات الجزائر وطاقاتها وإطاراتها للخروج من المحنة وتحدي المشاكل الداخلية وكل من يتربص بالجزائر ويريدها ممزقة دامية راكعة على رجليها. هل من مكانة لثورة نوفمبر في ذاكرة جزائر الألفية الثالثة وهل من وفاء لشهداء دفعوا أغلى ما عندهم من أجل الكرامة والعدالة والحرية والديمقراطية.

بعد ما يزيد على نصف قرن كسبت الجزائر ثورة الاستقلال والحرية والسيادة والكرامة، أما ثورة البناء والتشييد والوفاء لأحلام الشهداء، وكذلك إرساء قواعد الديمقراطية والعدالة الاجتماعية فهناك الكثير من الهفوات والمطبات والأخطاء. وهناك كلام كثير يقال حول عدم استغلال الموارد التي تنعم بها الأرض الجزائرية من بترول ومواد أولية وإمكانات زراعية وسياحية كبيرة جدا، وموارد بشرية... الخ.

الجزائر نجحت في طرد الاستعمار وأخفقت في بناء البلاد والديمقراطية والتوزيع العادل للثروة واستغلال قدراتها على أحسن وجه لتوفير الرفاهية والأمن والاستقرار لشعبها. بقدراتها الهائلة تستطيع الجزائر بنية صادقة وبإدارة رشيدة أن تقهر الحرمان والإرهاب وتوفر العيش الكريم والشريف للشعب الجزائري.

عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة

mokirat@sharjah.ac.ae