في «خطاب النصر» تفاخر باراك أوباما بقيم الديمقراطية والحرية «الراسخة» في الولايات المتحدة، لكن الخطاب الذي ألقي أمام 125 ألف شخص من أنصار الرئيس المنتخب خلا تماماً من أي ذكر مباشر أو غير مباشر خلال الواقع السائد حتى اليوم الذي تبلور خلال عهد جورج بوش، وهو أن أميركا صارت بأي معيار ديمقراطي دولة بوليسية، فهل نسي باراك أم قرر أن يتناسى؟ ستكون كارثة لو أن الأمر يتعلق بالنسيان..
وكارثة أعظم إن كان من قبيل التجاهل العمد، لكن على أية حال لم تشأ جمعيات حقوق الإنسان داخل الولايات المتحدة أن تنتظر إلى ان ينجلي موقف الرئيس المنتخب.
لقد سارعت إلى تذكيره بوضع الحريات الفردية الماثل بعدما تعرضت له من انتهاكات وتجاوزات جراء حرب بوش على «الإرهاب» بشقيها الداخلي والخارجي، وهكذا ستكون مصداقية أوباما على المحك تجاه الموقف الذي سيتخذه تجاه الدولة البوليسية إن كان سلبياً أو إيجابياً، الانتهاكات شملت عمليات التجسس على المواطنين الأميركيين بالتنصت على الاتصالات الهاتفية والمداهمات والاعتقالات البوليسية دون إذن قضائي.
بدأ التجول في أعقاب تفجيرات البرجين في نيويورك ومبنى وزارة الدفاع في واشنطن. وكأن عصابة «المحافظين الجدد» الملتفة حول الرئيس بوش في انتظار حدث دراماتيكي كهذا للتحرك السريع. فبعد أقل من شهر ونصف الشهر أصدر الرئيس سلسلة إجراءات عرفت باسم «قانون باتريوت» تمنح السلطات الأمنية والاستخباراتية صلاحيات موسعة تحت عنوان «مكافحة الإرهاب».
ولاحقاً صدر قانون يطلق عليه «قانون تحسين الأمن الداخلي» يتيح للأجهزة الأمنية ممارسة المزيد من الانتهاكات بحق المواطنين الأميركيين. ومن ذلك مثلاً تخويل السلطة سحب الجنسية الأميركية من أي مواطن بتهمة تقديم «دعم مادي» إلى منظمة اسمها مدرج على قائمة سوداء أعدتها وزارة العدل حتى ولو أن المتهم ليس على علم بأن تلك المنظمة محظورة.
وفي هذا يعلق خبير قانوني أميركي بقوله: تبرع ببضعة دولارات لجمعية خيرية إسلامية يرى وزير العدل أنها منظمة إرهابية وستجد نفسك على أول طائرة مغادرة للبلاد، ويتضمن هذا القانون أيضاً نصاً يسمح للسلطات الأمنية بممارسة اعتقالات سرية. ويضيف البروفيسور جاك بولكين الأستاذ بكلية القانون بجامعة «ييل» قائلاً: «ليس هناك أي حق مدني لا تسيء استغلاله إدارة بوش من أجل مضاعفة سيطرتها على الحياة الخاصة للأميركيين».
ما يمكن استخلاصه أخيراً هو الآتي: إذا افترضنا أن الرئيس أوباما عازم على تفكيك الدولة البوليسية، فإن من المحتم أن يدخل في صدام مع الأجهزة الأمنية.. فهل يتوفر لديه هذا العزم؟