المسارعة لاحتواء التوتر الأخير، بين دمشق وبغداد، جاءت في وقتها ومحلها. حالة الجفاء بين الجارين العربيين، التي نشأت في أعقاب الغارة الأميركية على موقع داخل الأراضي السورية، كان يمكن أن تتفاقم وتتحول إلى أزمة. أو على الأقل إلى تعكير جديد للعلاقات بينهما. المفاتحة المباشرة والتداول وجهاً لوجه، بشأنها؛ أخرجها من خانة هذا الاحتمال.

من هنا كانت أهمية الزيارة المفاجئة التي قام بها وزير الخارجية العراقي، إلى العاصمة السورية ولقاءاته مع الرئيس الأسد وكبار المسؤولين. فهي، كما وصفتها مصادر العاصمة السورية؛ «تعكس رغبة الجانبين في إزالة التوتر بين البلدين؛ عقب الغارة الأميركية». وكان الوزير زيباري قد حمل معه «رسالة من رئيس الوزراء العراقي إلى الرئيس السوري»، على حدّ ما ذكرت الخارجية العراقية.

العلاقات بين بغداد ودمشق، كانت لا تزال تتلمس بدايات عودتها إلى حالتها الطبيعية؛ لحظة حصول الغارة. السفير السوري عاد إلى العاصمة العراقية أخيراً؛ مع موجة رجوع العديد من السفراء العرب إليها. في الفترة الأخيرة أثار موضوع النازحين العراقيين بعض الحساسيات.

صدر عن بغداد انتقادات لدول مجاورة مضيفة، بشأن معاملتها لهم. في ذات الوقت أثار ملف الاتفاقية الأمنية، المزمع إبرامها بين العراق والولايات المتحدة، الكثير من الجدل والتوجس؛ داخل العراق كما في الجوار. تأججت مخاوف وخلافات، حول الموضوع. وسط هذه الأجواء، قامت القوات الأميركية بانتهاكها الفاضح، للسيادة والأراضي السورية. الأمر الذي صبّ الزيت على نار التخوفات، من استخدام الأراضي العراقية كمنصّة للاعتداء على الدول المتاخمة.

سوريا نظرت إلى الأمر من هذه الزاوية. والعراق أعرب عن رفضه لتكون أرضه محطة انطلاق ضد سوريا.التخاطب من وراء الحدود، زاد الطين بلّة وساهم في توتير مناخ العلاقات، وسط هذه الأجواء المرشحة للتفاقم والمفتوحة على المزيد من السخونة؛ جاءت مبادرة الزيارة، التي قوبلت بانفتاح سوري؛ بهدف تجاوز المشكلة.

ويبدو أنها نجحت إلى حدّ بعيد، في كسر جليدها؛ مقدمة لإعادة العربة إلى سكّة ما قبل الغارة، في أقله. ولا شك أن في ذلك خدمة لمصلحة البلدين. فالخلفية مشحونة كفاية.

والتحديات الزاحفة عليهما، كبيرة ومتنوعة. كما أن التجربة فيها ما يكفي من الدروس، التي تؤكد بأن توتر العلاقات السورية ـ العراقية، كان دائماً مصدراً لزيادة المتاعب وبالتالي الخسائر؛ للطرفين. كما تثبت أيضاً أن العكس صحيح. التأزم بينهما، في أحسن الاحتمالات، يؤدّي إلى تعزيز سياسة الاستفراد، ليس فقط بسوريا والعراق، بل أيضاً في المنطقة.

المكاشفة في احتواء التوتر العراقي ـ السوري، كانت خير معالجة؛ لقطع الطريق على أزمة جديدة، هي آخر ما يحتاجه البلدان. وعلّ هذا الأسلوب يتفشى كالعدوى في المنطقة.