نسمع كثيرا في الحكايات الشعبية والمسلسلات التلفزيونية العربية عن العريس الذي «يقطع لرأس القطّ» في الليلة الأولى للزفاف. الحكمة الكامنة وراء الحكاية هي رغبته في أن يفرض منذ البداية إرادته في الشراكة التي يدخلها.

وهذا ما فعله الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف عندما أعلن في خطاب له أمام البرلمانيين في الكرملين، بعد أقلّ من عشر ساعات على فوز باراك أوباما في الانتخابات التي توّجته الرئيس الرابع والأربعين للولايات المتحدة الأميركية، أن بلاده قررت أن تنصب في كالينينغراد شبكة صواريخ ومنظومة تشويش موجّهة ضد «الدرع الصاروخية» التي تنوي أميركا إقامتها بأفق عام 2013 في بولندا، مدعومة بشبكة رادارات في الجمهورية التشيكية. إقليم كالينينغراد المعني هو جزء معزول من الأراضي الروسية يقع على بحر البلطيق ومجاور لبولندا وليتوانيا المنضويتين في حلف شمال الأطلسي وكذلك في الاتحاد الأوروبي.

ومن الملفت للانتباه أن موقف الرئيس الروسي الحازم سبق تقديم التهاني للرئيس الأميركي المنتخب مرفقة بدعوته في اليوم الثاني على انتخابه لفتح «صفحة حوار بنّاء مع روسيا على قاعدة الثقة واحترام مصالح كل طرف». لقد انتظر فقط نهاية «العرس» الانتخابي الأميركي قبل أن يعلن موقف بلاده الحاسم في التصدّي للمشروع الأميركي بنصب الدرع الصاروخية في أوروبا.

وإذا كان الموقف الروسي قد جاء بنفس المنطق (الصاروخي)، فإن قادة روسيا وحكومتها استخدموا نفس اللغة (الدبلوماسية) وأكدوا أن نصب صواريخهم في كالينينغراد ليس موجّها ضد أوروبا، وإنما لأنهم يرون في الدرع الصاروخية الأميركية تهديدا لأمنهم القومي. كان الأميركيون قد جددوا القول إن مشروع درعهم الصاروخية يرمي إلى صد الهجمات الصاروخية المحتملة من الدول التي وصفوها بـ «المارقة»، ويقصدون بذلك إيران.

الروس لم يفهموا الأمر كما شرحته واشنطن ولم يصدّقوا، ولم يصدّق أي عاقل، حرفا واحدا مما قالته بهذا الشأن، إذ لا يخفى على أحد أن المقصود هو إحكام الحصار على روسيا. ولم تتبدد شكوك موسكو بعد تأكيد الولايات المتحدة أنها سوف تسمح لروسيا بزيارة «المنشآت الدفاعية الأميركية ضد الصواريخ» في بولندا والجمهورية التشيكية.

المشكلة بالنسبة لروسيا ليست في أن تزور أو لا تزور هذه المنشآت، ولكنها تحديدا في تبرير «علّة وجودها» أصلا. المنطق السليم، كما يرى الروس، هو أن يتم النقاش أولا بين «المعنيين»، ثمّ يتم استخلاص الإجابات واتخاذ المواقف المناسبة. وليس أنا «أقرر» وأنت «تبصم».

لكن بعيدا عن كل التصريحات والتصريحات المضادة والجدل حول المنطق «الذي يمشي على رأسه» و«الذي يمشي على قدميه»، من الواضح أن الرئيس الروسي يريد بما قاله أمام البرلمانيين الروس عن مشروع الشبكة الصاروخية الروسية المزمع نصبها في كالينينغراد، توجيه عدّة رسائل بـ «ضربة» واحدة.

رسالة موجّهة بالطبع إلى الإدارة الأميركية الجديدة لتأكيد أن فرض الهيمنة على طريقة جورج دبليو بوش قد انتهت مرّة واحدة وإلى الأبد؛ وانتهى معها مفهوم الأحادية القطبية الدولية العزيز على قلب المحافظين الجدد ومن لفّ لفّهم؛ وأن العالم ليس أميركيا.

وإنما هو أميركي وروسي وأوروبي وآسيوي وإفريقي.. باختصار هو عالم متعدد الأقطاب. وتتم في الوقت نفسه صياغة رؤية ليست روسية فقط ولكنها كونية، بما في ذلك أميركية، لمطالبة خليفة بوش أن يجسّد «أميركا جديدة»، غير تلك التي أراد بوش فرضها على العالم فـ «شوهه» و«شوّه صورة أميركا» لديه.

ورسالة شخصية للرئيس المنتخب أوباما كي «يتروّى» في ما يخص الشأن الروسي. فإذا كان تصريح الرئيس ميدفيديف يمثّل ردا مباشرا على مشروع الدرع الصاروخية الأميركية في أوروبا، فهو يطال أيضا، وربما أساسا، النوايا التي كان «المرشّح» أوباما قد أعلن عنها عندما قال: «ينبغي انضمام أوكرانيا وجورجيا فورا إلى الحلف الأطلسي».

وللتذكير، كان أوباما قد صرّح قبل فوزه الانتخابي «ينبغي أن يقال لروسيا إنه لا يمكن الوصول إلى مصاف قوة في القرن الحادي والعشرين والتصرّف كدكتاتورية من القرن العشرين». لا شك أن الروس، وغير الروس، قد فهموا جيدا ماذا كان يقصد بقوله.

ورسالة صريحة للاتحاد الأوروبي، أن الصواريخ الروسية التي يراد نصبها في كالينينغراد هي من طراز «اسكندر» متوسطة المدى ـ 500 كيلومتر ـ مما لا بد أن يثير مواجع ومخاوف أوروبية تعود إلى زمن الحرب الباردة والستار الحديدي، عندما كانت الصواريخ السوفييتية مصوّبة على مختلف العواصم الأوروبية «الغربية».

وتقول الرسالة الروسية لأوروبا، في ما تقول، إنه لا ينبغي نسيان التوازن الدقيق القائم في القارّة منذ انهيار جدار برلين، وبالتالي عدم فتح الباب على مصراعيه أمام الرغبات الأميركية (المغامرة) دون أخذ المصالح الروسية في الحسبان. ولم يتردد الرئيس الروسي في شرح وتوضيح وإدانة «سياسات الحكومة الأميركية الأنانية التي ترفض القبول بأي نقد مفضّلة اتخاذ قرارات وحيدة الجانب»، كما قال. ولم ينس التذكير بأن أميركا بوش تتحمل مسؤولية اندلاع الأزمة المالية الدولية. وبالنتيجة من الأفضل إذن القيام بحوار جدّي مع روسيا.

ورسالة أيضا لبقية العالم، لتأكيد أن الصوت الروسي يرتفع من جديد، وأنه يمكن الاعتماد عليه في قول «لا» لمنطق التفرّد والهيمنة الذي ساد في ظل إدارة بوش. لا شك أن هذا يخفي بالكاد نوعا من الحنين الروسي إلى الماضي القريب وإلى موقع القوّة العظمى «المكافئة» للولايات المتحدة.

وليس صدفة اختيار الرئيس الروسي الحديث عن الصواريخ ودروعها وشبكاتها ومنصّاتها، فهذه لغة تتحدثها القوى العظمى وحدها، وروسيا تطمح لأن تكون واحدة منها على خلفية إرث تاريخها القريب، ولكن دون بعده الإيديولوجي الكابح.

الكرة الآن في ملعب الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما، ولا شك أن مواقفه حيال روسيا بعد توليه مهام منصبه الرئاسي رسميا ظهر يوم 20 يناير المقبل، ستكون عامل كشف مهم حول نهج الإدارة الأميركية الجديدة على صعيد السياسة الدولية، وحول رؤيتها للعالم بصيغة المفرد أو بصيغة الجمع؟

mohaklouf@yahoo.fr