يروي عارفون بخفايا حركة (فتح) أن الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات كان يعتبر شاكر العبسي من أمهر ضباط (فتح)، لكن لا أحد كان يتوقَّع أن يصير هذا الضابط (الماهر) أحد أبرز الإرهابيين الذي حوَّل مخيم نهر البارد، الذي كان في طليعة المخيمات الهادئة و(الباردة) بكل معنى الكلمة، إلى مخيم حار يأوي إرهابيين خططوا لضرب الجيش اللبناني وتفجير الشمال.

حين بدأت المواجهة في مخيم نهر البارد، كان الرهان على أن القيادات السنية لن تُغطي قراراً بالدخول إلى مخيم فلسطيني لإعتقال المسلحين الذين تعرضوا للجيش لكن تأييد النائب سعد الحريري للجيش شكَّل الغطاء له، وللتاريخ فإن هذا الغطاء لم يوفِّره أحدٌ في السابق وتحديداً منذ العام 1969 أثناء المواجهات بين الجيش اللبناني والفلسطينيين، ولم تتوقَّف السجالات يومها إلا بعد توقيع (إتفاق القاهرة) التي ما زال لبنان يدفع ثمن مفاعيلها حتى اليوم على رغم مرور أربعين عاماً عليها.

غطاء النائب الحريري هو الذي شكَّل حصانة للجيش في مواجهة فتح الإسلام في وقتٍ كانت تصدر فيه أصوات تعتبر أن دخول المخيم خطاً أحمر.

هذه الوقائع الموثَّقة هي التي جعلت النائب الحريري واثقاً من طرحه المطالبة بلجنة عربية لتقصي الحقائق عن جرائم فتح الإسلام وهو بهذه المطالبة يرد التهمة على أن تيار المستقبل هو الذي كان يموِّل فتح الإسلام.

إن دعوة النائب الحريري يجب أن يعقبها ما يمكن أن يضعها موضع التنفيذ، وذلك من خلال آلية تبدأ بقرار يصدر عن مجلس الوزراء ويقضي بالتوجه إلى الجامعة العربية لدعوتها إلى تشكيل لجنة تقصي الحقائق، على أن تضم في عضويتها سوريا والسعودية ومصر والأردن والسلطة الفلسطينية.

إن مثل هذه الآلية توفر الكثير من الإتهامات والإتهامات المتبادلة، وتسحب هذا الملف المتفجِّر من سوق المداولات اليومية، فليس من المعقول ان يبقى هذا الملف جرحاً نازفاً، وعلى اللجنة العربية أن تُدقِّق في كل الإتهامات والردود للتوصل إلى إقفال هذا الملف بطريقة صحيحة وليس على مضض لئلا يتفجَّر من جديد.

إن الوضع اللبناني ما زال في غاية الهشاشة وفي غرفة العناية الفائقة، وما لم يُعالج بالسرعة المطلوبة وبالجدية الكاملة، فإنه يُخشى أن نكون على أبواب مرحلة جديدة من العنف في وقت ما زال لبنان يلملم آثار مراحل العنف السابقة. ويُخطىء مَن يعتقد أن إندلاع العنف هذه المرة سيُخرِج أحداً منتصراً، فلقد علّمتنا كل التجارب السابقة، منذ الأمس البعيد وحتى الأمس القريب أن العنف يضع الجميع في خانة الهزيمة من دون إستثناء، ولو بنِسَبٍ متفاوتة