كنا في ما مضى نسخر من حالة الهرج والمرج التي تشهدها طرقات وشوارع بعض الدول التي لا تعير شعوبها النظام المروري أي اهتمام، بل لا شيء عندهم حول الثقافة المرورية، وكل شيء هناك يسير بالبركة، فلا إشارات ضوئية تحكم تصرفات السائقين ولا إشارات المرور تعني لهم شيئاً، ولا حتى رجال المرور الواقفون على نواصي الطرق في وسعهم أن يفعلوا شيئاً، فالفوضى أكبر من كل ذلك، ولا تجد أي محاولة لضبط الطريق.
الحال ذاته ـ ومن غير مبالغة ـ انتقل إلى طرقاتنا التي أصبحت تنتهك بفعل البعض مع سبق الإصرار والترصد، دون أدنى مراعاة لقواعد المرور ونظامه، بل ودون أي تحفظ حتى في وجود دوريات رجال المرور.
فهذه تسير بسيارتها ذات الدفع الرباعي على ميدان كبير في إحدى المدن، الإشارة الضوئية حمراء وعن يمينها ويسارها تقف السيارات وتأتي مسرعة قاطعة الإشارة، ولولا عناية الله وانتباه القادمين من اليمين وحذرهم من قدوم سائق تمكنت منه الرعونة وزاد به الاستهتار بحياته وسلامة الآخرين وحياتهم، لكان الجميع في خبر كان.
على طريق آخر تسير دورية شرطة في أقصى اليمين خلفها سيارة يقودها أرعن آخر يحلو له العبث على الطريق وبالآخرين، يخرج بشكل عرضي من اليسار إلى اليمين ثم يلف ليصبح أمام سيارة الشرطة تاركاً من كان على اليمين يضرب أخماساً في أسداس لما كان من الممكن أن يحدث لو اصطدمت تلك السيارة بسيارتهم، ويستشيط غيظاً وغضباً فيستنجد بسيارة الشرطة لوقف استهتار هذا السائق، فإذا بمن فيها وببرود قاتل يسأله «خذيت الرقم»؟
يتساءل: أي رقم؟ الموقف حدث أمامكم والسيارة على بعد أمتار منكم وهناك إشارة ضوئية بإمكانكم ملاحقة سائقها!.. «ها تقصد السيارة البيضاء»؟ يرد على رجال المرور: نعم. ويتوقع رد فعل سريع، ولكن ها هي سيارة الدورية تمضي في حالها والضارب بالنظام أيضاً يسير في حاله.
في طريق ثالث هو مثل جميع الطرقات عندنا، لا يكاد السائق يترك مسافة متر بينه وبين السيارة التي أمامه، فإذا بآخر يأتي من اليمين ويدخل سيارته عنوة وكأمر واقع لا مفر منه يريد أن يصبح أمامك، ولا يجدي معه أي تنبيه بضرورة الالتزام وأنه ليس له حق في ما يفعله، فلا يأتيك منه سوى كلمات تدل تقاسيم وتعابير وجهه أنها قاسية، فتفضل ألا تسمعها حفاظاً على أعصابك.
في طريق رابع تفاجأ بمستهترة آسيوية تنتظر أحدهم، ترفض الوقوف في المواقف على يمين الطريق وتصر على عرقلة الطريق وترك أرتال من السيارات خلفها، وإذا أصررت على أن تتحرك ونهرتها، تشير بيديها في حركة تدل على أنك مجنون، ولا تتوقف عن ترديد عبارتهم الشهيرة «وتني ما في مخ». وأي مخ أو عقل أو حتى هدأة نفس تبقت للناس في طرقات تستنزف الأعصاب والطاقة والوقت!
ولعل أكثر ما ينذر بالسوء هو فلتان الأمن في الطرق وأن نصبح مثل حارة «كل مين إيده إله»، فلا نظام ولا قانون يحكم الناس.
