عندما افتتح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، القمة الافتتاحية الأولى لمجلس الأجندة العالمية التي تنظمها حكومة دبي مع المنتدى الاقتصادي العالمي، نوه سموه إلى تسابق أصحاب المؤسسات المالية والبنوك في العالم للحصول على المكافآت «البونس».

وقال سموه إن هذا التهافت أدى إلى انصراف المسؤولين إلى المكافآت وكيفية الحصول عليها وإهمال مؤسساتهم، ما أدى إلى أزمة اقتصادية عالمية. حديث سموه عن «البونس» يجرنا للحديث عن «سوء التقدير» و«المبالغة الإدارية» التي قد توقع بعض مؤسساتنا الوطنية مستقبلاً في شراك الأزمات المالية التي نعتقد أننا قادرون على تجاوزها طالما كانت لدينا الرغبة أولاً والإرادة ثانياً.

حققت الإمارات في السنوات الأخيرة نهضة اقتصادية بعوائد مجزية، وانعكست آثار هذه النهضة على دخل الفرد. وبناءً على ارتفاع دخل الفرد تحسن أداؤه وجادت منتجات عمله واستحق في المقابل «البونس» أو ما يسمى بنظام «المكافآت»، وهو ما لا نعترض عليه طالما أنه في حدود العقل والمنطق لأنه حق للموظف ووسيلة تدفعه لتقديم الأفضل.

لكن المرفوض في هذه المسألة هو سوء التخطيط والتقدير والمبالغة في تدليل الموظفين ومنحهم أكثر مما يستحقون، نظير أعمال يقومون بها لم تختلف كثيراً عن أعمال قام بها من هم قبلهم في السابق. ففي بعض المؤسسات الوطنية أصبح المواطن حديث التخرج، على سبيل المثال يتقاضى راتباً لا يقل عن الخمسة والثلاثين ألف درهم شهرياً.

بالإضافة إلى الحوافز والمميزات الأخرى، الأمر الذي يجعل استيعاب أسباب هذا الراتب ومبرراته صعباً حتى من الآباء الذين سعدوا بحصول أبنائهم على فرص العمل بهذه الرواتب، إلا أنهم يتساءلون عن حجم وطبيعة العمل الذي يجعلهم يتقاضون راتباً لم يتقاضاه ربما والد الواحد منهم حتى آخر درجة وظيفية وصل إليها رغم مؤهلاته الجامعية وخبرته الطويلة.

ولو كان الأمر قاصراً على المواطنين لقلنا إن ما يمنح لهم يستثمر في بلدهم، لكن المشكلة أن تلك الرواتب تدفع لموظفين أجانب يحولون أموالهم للخارج، متسببين في نزيف مالي لا يمكن التهوين منه طالما أنهم الأكثر عدداً والأوفر حظاً في فرص العمل، خاصة ذات الرواتب الخيالية.

سوء تقدير الرواتب والمبالغة فيها وما يتبعها من مسائل في «البونس»، أخلت بالتوازن المطلوب في المجتمع. فالحياة المعيشية أصبحت غالية، وفرص العمل قلت لأن راتب موظف واحد أحياناً يكفي لتوظيف ثلاثة موظفين وأكثر، وأصبح ذلك سبباً في كثرة تنقل الموظفين بين المؤسسات بحثاً عن الراتب الأعلى وان كان ذلك على حساب المؤسسة أو خبرة الفرد نفسه، أضف إلى ذلك ظلم الموظفين القدماء الذين أصبحت مقارنة رواتبهم بالرواتب الحديثة أمراً صعباً، والأصعب منه مطالبتهم بالإنتاج نفسه.

لسنا ضد منح الموظفين حقهم من الرواتب والمكافآت التي تتناسب مع ما يبذلونه من جهود، لكننا ضد سوء تقدير تلك الأموال ومنحها لمن لا يستحقون أو لمن لا يحسنون توظيفها في الدولة.

فالأموال التي نملكها اليوم ونسرف في صرفها على رواتب ومكافآت خيالية، تبقى ثروة احتياطية من حق جيل المستقبل الذي يفترض أن نؤمن على مستقبله ضد أي تقلبات أو أزمات اقتصادية لا ينبغي أن يدفع فيها الثمن وحده. الأمر الذي يجعلنا نأمل من مؤسساتنا أن تستفيد من الدروس المجانية التي تمنحنا إياها الأزمة العالمية، فمن لا يتعلم اليوم يسقط في أول امتحان يخضع له وهو ما لا نتمناه.

maysaghadeer@yahoo.com