لقد استقبل الكثير من العرب والمسلمين فوز الرئيس باراك أوباما «بزراغيت» الفرح، وكأن فوزه في ذلك هو فوز لهم أو أن فوزه قد يعتبر نصرا لهم ولقضاياهم وهزيمة لأعدائهم من الإسرائيليين(الصهاينة) والقوى الاستعمارية في العالم.

و قد كُتب الكثير في المنطقة العربية عن هذا الفوز وعن هذا التغيير الكبير في المجتمع الأميركي، وفرحنا كما فرح العالم بهذا الفوز الذي قد لا يعني تحولا مهما في السياسات الأميركية نحو الخارج وإنما في أسلوب التعاطي والمعالجة. فمواقع المصالح الأميركية في المنطقة سُتبقي ذات السياسات، إلا أنها قد تعني قدرا من التغيير في التعاطي والمعالجة والمقاربات. فالموقف الأميركي من القضية الفلسطينية هو باق كما هو وما قد يحدث هنا هو في أن تكون هناك مقاربات جديدة في المعالجة التي قد تتطلب بعض المرونة الإسرائيلية في بعض النقاط والقضايا وفي بعض المراحل. كما أن الوجود الأميركي في العراق بات حتميا رغم إعلان الديمقراطيين برغبتهم في الانسحاب كما أن تحولا لا بد أن يحدث في الداخل الأميركي من حيث السياسات الاجتماعية ذات العلاقة بتحسين أوضاع القطاعات الوسطى والدنيا من سكان المجتمع الأميركي.

وهي سياسة صوتت لها غالبية المجتمع الأميركي وهو العنصر الحاسم في هذا النصر، وهو في هذا صاحب المصلحة في هذا التحول في أن يكون على سدة الرئاسة الأميركية أكثر الرؤساء الأميركيين تبنيا للقيم الليبرالية.

وهي ليبرالية لا يمكن إلا أن تُحكم بمصفوفة المصلحة الأميركية على مستوى الخارج وفي مصالح القطاعات السكانية ذات النفوذ والقوة في المجتمع الأميركي. فهو في هذا رئيس لكل المجتمع الأميركي وإن صوتت له بكثرة الطبقات الوسطى والدنيا وجماعات السود والهسبانك والمسلمين.

فهذه المجتمعات وقواها الاجتماعية قد عملت خلال العقود الخمسة الماضية على أن تتشكل في مفاصلها ثقافة التسامح والقبول بالآخر، رغم كل ما كان يقال عن عنصريتها التي قد لا تقارن بشوفينية بدت متمكنة من مفاصل بعضا من مجتمعاتنا!!.

وأعتقد أن العالم من حولنا بات يشهد قدرا كبيرا من التحول ليس على صعيد السياسة والاقتصاد وإنما على صعيد القبول بالتنوع الثقافي والاثني، هذا التنوع الذي بات سمة أساسية من سمات المجتمعات الحديثة، وقد لا يعني هذا التنوع في شيء إذا لم تر تمثلا ته على الواقع.

واعتقد أن حدثين اثنين لهما رمزيتهما الكبيرة قد جاءا على الديمقراطيات الغربية، خلال العامين الماضيين، أثبتت من خلالهما هذه المجتمعات، رغم كل انتقاداتنا لها، بقدرة فائقة على تجاوز ما أفرزته العنصرية الهتلرية وسياسات التمييز العنصري من مصاحبات اجتماعية وثقافية عميقة في المجتمعات الأوروبية وفي الولايات المتحدة الأميركية.. وهي وبفعل قدرتها على تجاوز معضلاتها الاجتماعية باتت قادرة على تجاوز كل معضلاتها السياسية والاقتصادية.

فقد انتقلت أوروبا من عداء مقيت لليهود واليهودية أبان حقبة الأربعينيات وما بعدها، للقبول بهم، أي اليهود، كمكون أساسي من المجتمع الأوروبي. وتبدو رمزية هذا التحول في أن يأتي لرئاسة الدولة الفرنسية رئيسا من غيرالمسيحية- الكاثوليكية، أي أن يأتي إليها رئيس يهودي من الجيل الثاني من المهاجرين الأوروبيين الشرقيين، رغم محاولات التخفيف من انتسابه الديني هذا بالقول مثلا بتحوله نحو المسيحية.

وأن يأتي ضمن طاقمه التنفيذي والسياسي نفر من الجيل الثاني من المهاجرين العرب والمسلمين، وفي هذا مؤشر تحول مهم في المزاج العام وفي مسار التوجهات الاجتماعية لهذه المجتمعات، وكذا في قدرتها ليس فحسب في أن تعطي المختلف فيها حقوقا سياسية ومدنية متساوية من حيث الانتماء الوطني الواحد وإنما في أن تشعرهم كما الآخرين من السكان، رغم تباينهم الاثني، بأنهم ليسوا أقل حظا وحظوظا في أن يكونوا في صدارة الدولة كما الآخرين.

ولربما تؤكد عملية الانتخاب الكاسح لأوباما رئيسا للولايات المتحدة الأميركية مرة أخرى هذا التحول الأساسي في مزاج المجتمع الأميركي الذي كان حتى خمسة عقود سابقة من الزمان يمارس بحق سكانه من السود قدرا كبيرا من التمييز والاضطهاد.

ولن أدخل هنا في حساب الربح والخسارة العربية من هذا الانتخاب أو أذهب كما يقول البعض «إن انتخاب أوباما لم يكن إلا لحاجة الولايات المتحدة الأميركية لوجه أسود تُبيّض بها سجلها الأسود خلال الثماني سنوات الماضية» من حكم الجمهوريين، أو أنه، أي انتخاب أوباما، «محاولة لتجميل الصورة الأميركية». وهي في جلها أحكام انطباعية درجنا على قولها عند أي انتخابات أميركية.

وأعتقد أن الأهمية الرمزية بل أقول إن الأهمية الثقافية والسياسية لهذا الاختيار، وكذا الاختيارات الأوروبية الأخرى، تكمن بالنسبة لي في قدرة هذه المجتمعات على التصالح مع نفسها، أي مع كل مكوناتها الاجتماعية والثقافية القديمة والجديدة، أي في قدرتها على دمج هذه المكونات ضمن أطرها السياسية والثقافية والاقتصادية، وهي حالة لا يبدو أن مجتمعاتنا العربية قادرة على تحقيقها في المدى الزمني القصير، لمعضلات متعلقة بطبيعة الدولة من جانب وتلكؤ التطور الثقافي والسياسي لقوى المجتمع السياسي من جانب والمجتمع المدني من جانب آخر.

وتكفي إطلالة سريعة على أي من الأقطار العربية لتكتشف حالة الخصام الذي باتت عليه مجتمعاتنا، وحالة الاستحواذ الذي كادت أن تكون عليه الدولة، وهي حالة لا يمكن أن توصلنا لما وصل إليه الآخرون ولو بعد حين...«إنَّ الله لا يُغير ما بقومٍ حتى يغيَّروا ما بأنفسِهم» (سورة الرعد - الآية:12)..

كاتب بحريني

drbaqer@gmail.com