رغم المقارنات التي يعقدها الكثيرون بين أوباما وكل من كيندى وكلينتون، إلا أن الواقع يشير إلى أن المقارنة الأجدى قد تكون تلك التي تنعقد بين أوباما وكل من فرانكلين روزفلت وجيمى كارتر.

فأوباما يتولى الحكم فى ظرف أشبه بذلك الذي تولى فيه روزفلت الرئاسة عام 1933، وذلك الذي تولى فيه كارتر الرئاسة فى 1977 وإن بدرجة أقل نسبيا. فقد تولى فرانكلين روزفلت الرئاسة فى أوج أزمة الكساد الكبير خلفا للرئيس الجمهورى هربرت هوفر. وبعد شهور قليلة من تولي روزفلت الرئاسة كان عدد العاطلين عن العمل قد وصل إلى 13 مليون أميركى وأغلقت الكثير من البنوك أبوابها. وكان رد فعل روزفلت قويا وفوريا.

فقد استثمر فوزه الانتخابى وتقدم فى الشهور الثلاثة الأولى لحكمه ببرنامج اقتصادي بالغ الجرأة والاتساع، أعاد تعريف دور الحكومة فى الاقتصاد. فقد تضمن البرنامج- الذي صار يعرف باسم العهد الجديد- مساعدات للعاطلين عن العمل وأولئك الأكثر عرضة لفقد مزارعهم وبيوتهم، فضلا عن مشروعات حكومية كبرى لخلق وظائف وإنعاش الاقتصاد.

وفى غضون ثلاث سنوات، كانت بوادر التحسن الاقتصادي قد بدأت تظهر. إلا أن التوجه الذي تبناه روزفلت استعدى عليه قوى مهمة خصوصا فى قطاعى الأعمال والبنوك بل خاصمته المحكمة العليا التي كانت قد بدأت تصدر أحكاما تقضي بعدم دستورية الكثير من برامج الرئيس.

لكن رد فعل روزفلت لم يكن الانصياع ولا التردد وإنما المضي قدما فيما عزم عليه فأضاف لكل ماتقدم واحدا من أهم البرامج الاجتماعية التي غيرت وجه الحياة فى أميركا وهو برنامج الضمان الاجتماعي وخاض معركة كبرى مع المحكمة العليا انتهت بانتصاره وانتصار فكرته المحورية التي كانت تقوم على حق الحكومة فى التدخل فى تنظيم الاقتصاد الحر.

وعلى الصعيد الخارجى أحدث روزفلت تغييرا حقيقيا حيث تحول عن »الأحادية» وبنى سياسة بلاده على التعددية في العمل الدولي وراح يعمل من أجل إنشاء منظمة الأمم المتحدة.

وروزفلت الذي توفى قبل أن يكمل ولايته الثانية سلم البلاد لخلفه في حال أفضل كثيرا مما تسلمها. لكن الأهم من هذا كله هو أن مافعله روزفلت حول حزبه في الواقع إلى حزب الأغلبية لعقود ثلاثة متتالية.

فقد أدت سياسات روزفلت الاقتصادية إلى جذب الكثير من القطاعات والفئات التي صارت ترى مصالحها مرتبطة بمصالح الحزب الديمقراطى.

فظل الحزب يشغل مقاعد الأغلبية فى الكونجرس حتى عام 1994. بل حتى البيت الأبيض صار في يد الديمقراطيين باستثناء فترة حكم أيزنهاور إلى أن تورط جونسون في فيتنام فتولى بعده نيكسون الجمهوري في 1968.

والوضع الاقتصادي الذي يتولى في ظله باراك أوباما الحكم أقرب للوضع الذي تولى فيه روزفلت بالمقارنة بأي رئيس آخر. فالاقتصاد الأميركي يمر بأزمة طاحنة تشكل الأزمة المالية مجرد واحدة من تجلياتها. فقد أكدت الأرقام بعد فوز أوباما أن عدد العاطلين عن العمل وصل إلى 10 ملايين أميركي.

لكن يمكن من زاوية أخرى مقارنة الظرف الذي يتولى فيه أوباما الحكم بذلك الذي تولى فيه كارتر الرئاسة عام 1977.

فقد اضطر نيكسون للاستقالة في 1974 بعد فضيحة ووترجيت وتولى نائبه جيرالد فورد الرئاسة حتى موعد الانتخابات التالية. وقد أدت فضيحة ووترجيت إلى فقدان المواطن الأميركي الثقة بالسياسة والسياسيين في واشنطن وصاروا يتوقون إلى رمز جديد ليعيد الاعتبار لمنصب الرئيس. وقتها خاض جيمي كارتر الذي كان مغمورا الحملة الانتخابية وهى التي استمرت قرابة العامين مثلما هو الحال مع أوباما.

ومثله مثل باراك أوباما، التف الكثيرون حول كارتر لأنه لم يكن له خبرة بالعمل السياسي في واشنطن. بعبارة أخرى، في 1976 مثلما هو الحال في 2008، اعتبر أغلب الأميركيين أن ضعف الخبرة بالعمل السياسي في واشنطن هو بالضبط مايريدون لأنهم يرفضون أصلا ماكان عليه حال السياسة فى العاصمة من فساد وسوء استغلال للسلطة.

وانتهت الانتخابات بفوز كارتر الشاب وقتها وسط جو من التفاؤل. ومثله مثل أوباما كان كارتر قد استطاع أن يحقق فوزا غاليا في عدد من الولايات التي كانت تميل دوما لصالح الجمهوريين بل واستطاع أن يجتذب قطاعات مهمة للتصويت لأول مرة للديمقراطيين كان على رأسها وقتها اليمين الأصولى. وتولى كارتر الحكم ومعه كونجرس سيطر فيه حزبه على الأغلبية في المجلسين.

إلا أن علاقة كارتر بالكونجرس شابها التوتر منذ اليوم الأول ففشل في الحصول على تأييده لعدد من مشروعاته.

وزاد الطين بلة أن ساءت الأحوال الاقتصادية واحتل الاتحاد السوفيتى أفغانستان. وفى أثناء الشهور الأخيرة من إدارته كانت قضية الرهائن بالسفارة الأميركية في طهران هي القضية المهيمنة.

وقد انتهى الأمر إلى هزيمة كارتر هزيمة ساحقة أمام رونالد ريجان فى 1980 وهى الهزيمة التي كانت إيذانا بتسليم البيت الأبيض للجمهوريين طوال الإثنى عشر عاما التالية.

فالخطر الحقيقي الذي مثلته هزيمة كارتر كان في الواقع فشله هو وحزبه في الاحتفاظ بالقوى الجديدة التي كان كارتر قد نجح في اجتذابها للتصويت للديمقراطيين.

إذن هناك أوجه شبه كثيرة بين ظروف تولى أوباما وتلك التي تولى فيها كل من روزفلت وكارتر. ففوز أوباما كان بمثابة تغيير حقيقى في الخريطة الحزبية والسياسية من حيث نوع القوى التي أعطته أصواتها. لكن هذه الخريطة الجديدة سوف تظل مكتوبة بالقلم الرصاص إذا جاز التعبير ما لم تتأكد من خلال سياسات يتبناها الرئيس الجديد تدعم تلك الخريطة وتحولها إلى وضع دائم في أميركا.

فإذا ما نجح في ذلك صار أقرب إلى روزفلت وتبدأ معه أميركا عصرا جديدا يشهد تحولات نوعية في جوهر السياسة والعمل السياسي. أما إذا بددها فسوف يكون أقرب إلى حالة كارتر الذي انتهى عهده بتسليم البيت الأبيض للجمهوريين على مدى اثنى عشر عاما تالية.

كاتبة مصرية

manarmes@yahoo.com