أجرى الرئيس الروسي دميتري ميدفيدف اتصالا هاتفيا مع باراك أوباما وهنأه بفوزه شخصيا في الانتخابات الرئاسية الأميركية. وفي محادثاتهما الهاتفية أكد الرئيسان على أهمية العلاقات بين البلدين باعتبار أن تطورها الإيجابي يتمتع بأهمية كبرى، ليس بالنسبة للبلدين، ولكن بالنسبة للمجتمع الدولي كله. واعتبر ميدفيديف وأوباما أن المشاكل الخطيرة الشاملة التي يصطدم بها العالم في الظروف الراهنة تتطلب تضافر جهود جميع الدول، مما يضع البلدين أمام مهمات ومسؤوليات مشتركة.

ومما لاشك فيه أن موسكو تراهن على تطور إيحابي في العلاقات بين البلدين بعد تولي أوباما مقاليد الحكم في الولايات المتحدة، باعتبار أن برنامج الرئيس الأميركي الجديد يخلو من أساليب القوة، ويدعو لصياغة آليات جديدة للنظام العالمي، تضمن الاستقرار والأمن، باعتبار أن آليات الحالية فشلت في تحقيق ذلك.

وقد أعرب الرئيس ميدفيديف عن اعتقاده بأن الرئيس الأميركي المنتخب الجديد باراك أوباما سيتمكن من إرساء أساس متين للعلاقات الروسية الأميركية، وأكد ان روسيا مستعدة للتعاون بشكل بناء مع أوباما، إذا تمكن من صياغة نهج السياسة الخارجية والداخلية لبلاده بشكل صحيح.

وبالرغم من أن الخبرة الروسية تشير إلى أن تعزيز التعاون والتنسيق بين موسكو وواشنطن كان دائما يحقق نجاحات خلال فترات حكم الجمهوريين، إلا أن أوباما يعتبر استثناء لهذه الخبرة، ليس فقط بسبب برنامجه الذي يتقارب مع سياسات الكرملين، وإنما لأن سلفه جورج بوش الابن، قد مارس سياسة معادية لروسيا في مختلف مواقع نفوذها، وفجر صدامات لم تكن روسيا تسعى لها، بهدف فرض حصار على روسيا، وإزاحتها من كافة مواقع نفوذها.

إلا أن برنامج أوباما ليس كافيا لكي تعدل موسكو سياساتها على الساحة الدولية، والتي بدأت تأخذ طابعا يبتعد قليلا عن لغة التفاهم، ويعتمد أكثر على سياسة فرض الأمر الواقع.

ومما لاشك فيه أن تصريحات الإدارة الأميركية الانتقالية، والتي أكدت أن الرئيس المنتخب باراك أوباما يعتزم بعد تسلمه مهام منصبه رسميا، العمل مع روسيا من أجل خفض الترسانتين النوويتين الأميركية والروسية، ورفع الصواريخ النووية من حالة التأهب القتالي.

وتنظيم قمة لزعماء دول العالم في عام 2009 حول سبل التصدي لتهديدات الإرهاب النووي، لقت صدى إيجابيا في الأوساط السياسية الروسية ولدى الكرملين، باعتبار أنها تدعو لانفراج في العلاقات، وتهدئة لحالة التوتر التي تخيم على الصلات بين موسكو وواشنطن، إلا أنها لا تعبر عن خطوات عملية لتحقيق ذلك، هي مجرد تصريحات ايجابية ان لم تقترن بالأفعال، لن يكون لها أي قيمة سياسية، لذا كان لابد لموسكو أن تواصل ما أقرت من خطط، إلى حين ظهور بوادر تعديل سياسات الإدارة الأميركية.

ولعل أهم المؤشرات التي تنتظرها موسكو هو مواصلة المشاورات بين البلدين بشأن الدرع الصاروخية، وكيفية تسوية هذا الملف بما لا يضر بمصالح روسيا.إلا أن هذه الخطوة لم تتخذ بعد، بل ان ما قاله الرئيس الأميركي المنتخب أوباما للرئيس البولندي كاتشينسكي عن أنه لا يعتزم التخلي عن مخططات إدارة الرئيس الأميركي المنتهية ولايته جورج بوش لنشر ما هو تابع للمنظومة الدفاعية الأميركية المضادة للصواريخ في الأراضي البولندية، كان مبررا لكي تواصل روسيا تنفيذ خططها الوقائية لحماية أمنها من خطط واشنطن.

لذا يأتي قرار الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف بنشر منظومات صواريخ اسكندر التي يبلغ مداها حوالي 300 كيلو متر في إقليم كالينينجراد الواقع ضمن أراضي الاتحاد الأوروبي، والإبقاء على حالة التأهب القصوى في فرقة صواريخ المهمات الإستراتيجية ووحدات الصواريخ طويلة المدى من طراز (ستيليت ار.اس 18) والتي تحمل 6 رؤوس نووية، ويبلغ مداها 10 آلاف كيلو متر كأحد الإجراءات التي تتخذها في اطار حماية الأمن القومي، في مواجهة نشر عناصر من المنظومة الأميركية المضادة للصواريخ في أوروبا، ولتوجيه رسالة إلى الإدارة الأميركية الجديدة تعبر عن رؤية روسيا بأن تغيير قناعة موسكو يرتبط بخطوات فعلية من جانب واشنطن للتقارب والتفاهم مع الكرملين.

كاتبة روسية

jannamarat@km.ru