هنأ رئيس وزراء أستراليا كيفن رود مرشح الحزب الديمقراطي باراك أوباما لفوزه الكاسح، وأثنى عليه لتحويله حلم مارتن لوثر كنغ إلى حقيقة. ولم يكن هو الوحيد بالطبع الذي هنأ أوباما بعد أن نقلت وكالات الأنباء فوزه الكاسح على مرشح الحزب الجمهوري جون ماكين، بل شاركه جميع زعماء العالم، الذين وجدوا فيه ؟ كما الشعب الأميركي ؟ رجلاً سيدخل تغييرات ليس في بلده أميركا فحسب، بل وأيضاً حول العالم، كما وعد ناخبيه.

والحق أن هذا الفوز تاريخي بكل معاني الكلمة، فبه تخلصت أميركا من عنصريتها التي - على حد وصف منافسه جون ماكين - كلفت أميركا الكثير وشوهت باستمرار سمعتها. ففوزه فتح الباب واسعاً أمام قيم الانجاز والكفاءة مقابل قيم النوع والعرق لتأخذ مكانها في هذا المجتمع الذي يعتبر بحق خليطاً من الأجناس والأعراق والأديان والمذاهب، تحاول أن تندمج لتكون شعباً بتجربة تاريخية عظيمة. ولعل باراك حسين أوباما هو ذاته خير ممثل لهذه الخلطة العجيبة، فأبوه كيني مسلم كان طالباً في هاواي أحب أمه الناصعة البيضاء القادمة من كنساس وتزوج بها وأنجبا أوباما، ثم افترقا، لتتزوج هي بمسلم آخر من اندونيسيا ولتحمل معها طفلها أوباما ليعيش في كنف زوج أمه في بلد مسلم طيلة أربع سنوات، ثم ليعود ثانية لجزيرة هاواي ليتربى في بيت جديه البيض!!

ثم درس القانون في أكبر جامعات أميركا وأعرقها وهي هارفارد، فبز أقرانه، وتطلع في أولى مراحل نضجه إلى كرسي النيابة، فأصبح «شيخاً» في ولاية إلنيوي، التي تحوي مدينة شيكاغو العريقة، والتي عمل بها أوباما مع بسطاء الناس. وكانت محطته الثانية تمثيل الولاية قبل أربع سنوات فقط في مجلس الشيوخ الأميركي!!

وأصدر كتابين عن نفسه ومعتقداته - كما تورد البي بي سي ؟ والكتابان ينمان عن شخصية أوباما وتطلعاته ويخرجان عن المألوف، إذ كيف يكتب شخص سيرته الذاتية ولما يزل في ربيع العمر (33 سنة فقط)، ليتبعه بكتاب آخر بعد عقد من ذلك التاريخ أو أكثر قليلاً وعنوانه: «جرأة الأمل»!!

ولقد لاقى الكتابان رواجاً كبيراً، وهما بالقطع سيلاقيان رواجاً أكثر الآن! ومن المعروف أن شعار أوباما الذي رفعه طوال حملته الانتخابية كان التغيير، والتغيير الفوري، فقد عرف كيف يتحسس مشاعر الشعب الأميركي الذي عانى خلال حكم الجمهوريين طوال ثمانية أعوام، وتحسس بالدرجة الأولى رغبات وتطلعات الشباب في تحقيق «الحلم الأميركي» حيث أميركا هي «أرض الفرص للكل»!!

ولذلك، خرج الشباب بكثافة للتصويت له وقدروا بأكثر من 40% من عدد المقترعين!! وربما تحسس مشاعر العالم أيضاً حول أميركا وتردي أوضاعها والرغبة في انتشالها، حيث كانت استطلاعات كلها تشير إلى تفضيل شعوب العالم له كالرئيس الأربع والأربعين للولايات المتحدة الأميركية!!

وجميل الانتخابات الأميركية وتقاليدها العريقة، بل والراقية، إنه رغم ضراوة تبادل التهم أثناء إدارة حملة الرئاسة، التي هي بحق أطول حملة في العالم من حيث المدى الزمني، والمال الذي يصرف عليها، فإنه ما أن تضع «حرب الانتخابات أوزارها»، حتى يسارع المهزوم للاتصال بمنافسه، أو ربما غريمه، ثم يطري ذكره بكلمات وعبارات جميلة، وهي لا شك صادقة، «فيطيح الحطب» ؟

كما نقول باللهجة الخليجية بين الطرفين والأكثر بين أنصارهما!! وهذه الكلمات يمكن أن تكون قطعاً نثرية لأنها تأتي بالنسبة للمهزوم وجمهوره المحب بلسماً يشفي جراح المعركة الانتخابية، وتكون من جهة أخرى بالنسبة للفائز اعترافاً بمكانة خصمه، الذي يود أن يتعامل معه أو مع أنصاره في «اليوم الثاني» كما يقول الأميركان!!

وتمعنوا كيف تسامى جون ماكين على مرارة الهزيمة، لتنزل كلماته برداً وسلاماً على سامعيه المتحمسين، الذين تجمعوا في مدينته فينكس بولاية أريزونا: «إن هذه الانتخابات انتخابات تاريخية، وأنا أدرك ماذا تعني للأميركان من أصل افريقي، وما يعتريهم من شعور الفخر هذه الليلة. إنني كنت دوماً أعتقد أن أميركا تتيح الفرص لكل من لديه عقل ثاقب ويريد أن يستفيد من ذلك العقل، وإن أوباما يمتلك ذلك». أما رد أوباما فكان لا يقل حضارية وعرفاناً بدور جون ماكين الوطني «الذي بلى بلاء حسناً في هذه الحملة، وقبلها بلى بلاء حسناً في سبيل بلاده».

أجل، ان أميركا بحاجة إلى تغيير، في سياساتها الاجتماعية والاقتصادية الداخلية، وفي رؤيتها لعالم يشكو من صراعات سياسية ومشكلات بيئية ومن ظهور قوى جديدة تحاول أن تجد لها مكاناً على الخريطة الدولية!!

وتركة هذا الرجل ستكون ثقيلة، فقد ورث ثماني سنوات عجاف كان ختامها انهيار أسواق المال قاده «شارع المال والأعمال في نيويورك» ليغطي ضرره العالم كله، وعلى رأسه المواطن الأميركي من الطبقة المتوسطة، الذي بدأ منذ أشهر تسحب شركات الضمان المالي منزله الشخصي لتعثره في سداد أقساطه!! وآخرون، موجودون في أصقاع كثيرة ومنها أفغانستان والعراق ويتوقون للعودة إلى بلادهم بأسرع ما يمكن!!

من المؤكد أن باراك حسين أوباما لن يستطيع تحقيق كل ما وعد به، لكن حسبه أنه يثير الأمل في نفوس الجمهور الأميركي.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com