صارت إسرائيل تتعامل مع كهرباء غزة وكأنها مكسر عصا. بين فترة وأخرى تقفل معبر المحروقات، وتغرق القطاع في العتمة. ثم تعود، بعد التعتيم، وتستأنف تمرير الوقود؛ بالقطّارة.. وهكذا دواليك. باتت ممارسة روتينية، لا رقيب ولا حسيب.
تتذرع بالصواريخ الفلسطينية، لكنها تتجاهل وبصلف، أن انتهاكاتها وعدوانيتها السبّاقة، هي التي تتعمد الاستفزاز، وتستدعي الرد الفلسطيني. العدوان الأخير، الذي حصد ستة قتلى وعددا من الجرحى؛ كان حلقة من هذا المسلسل الذي أدّى، مرة أخرى، إلى إغراق القطاع في الظلمة.
وبالترافق معه، ارتفعت مؤخراً وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية، من إغلاق المعابر التجارية في غزة، إلى هدم المنازل، خاصة في القدس، بغرض التهويد؛ مروراً بالتنكيل والتعذيب الهمجيين بالفلسطينيين، من خلال العودة إلى أسلوب تكسير العظام؛ وانتهاء بهمجية المستوطنين المنفلتين ضد المزارعين الفلسطينيين، في موسم قطاف الزيتون.
وفي هذا السياق، بدأ يتعالى حديث الحرب على لسان عسكريين إسرائيليين، توقعوا حصول انفجار واسع النطاق مع الفلسطينيين؛ بعد نهاية فترة اتفاق التهدئة في 19 المقبل. كلام أقرب إلى الإنذار والتمهيد لعدوان كبير، تعتزم إسرائيل شنّه ضدّهم.
في الخندق المقابل، يواصل الوضع الفلسطيني تمزّقه. الخلافات تعذّر تجاوزها. الشروط المسبقة حالت دون انعقاد الجولة الأولى للحوار الوطني، التشبث بالمطالب، أطاح بلحظة كان قد طال انتظارها. على طاولة الحوار، المجال متاح لطرح كافة المطالب والهواجس، خاصة المشروعة منها.
أصلاً الحوار يحصل لأن هناك خلافات، وإلاّ فلا مبرر له. أولوية ما كان ينبغي أن يخطئها الوضع الفلسطيني، بغضّ النظر عن أحقية وأسبقية هذا الطلب أو ذاك، ففي هذه اللحظة هو نقطة التقاطع الوطني لكافة الفصائل والمواقف. وما يزيد الطين بلّة أن لغة المرونة التي حرصت على التطمين بأن التأجيل مؤقت والحوار سيعقد قريباً؛ عادت وانقلبت إلى لغة تراشق عنيف بالاتهامات.
في نفس اللحظة، يتزايد الاهتمام والتعاطف الخارجيان، وبالذات من الأوروبيين، مع الشعب الفلسطيني وقضيته. سفن النشطاء والمساندين تصل ـ أربعة حتى الآن ـ إلى غزة، بالرغم من الحصار. وزراء الخارجية الأوروبيون يرفعون وثيقة إلى الرئيس الأميركي المنتخب، باراك أوباما، تطالبه بإعطاء الملف الفلسطيني الأولوية؛ ومنذ اليوم الأول.
مفارقة أن ينشغل الآخرون، ولو بالكلام، بالوضع الفلسطيني؛ فيما يواصل هذا الأخير الانشغال بخلافاته وتعميقها، المفارقة الأشدّ أن يجد الشعب الفلسطيني نفسه، في الظلمة التي يتلذّذ الاحتلال الإسرائيلي بفرضها عليه؛ وهو يعاني، في ذات اللحظة، من ظلم عدم الحوار بين ذوي القربى.
