على مر التاريخ عرف الشعب المصري بأنه الأكثر تمتعا بروح الدعابة والمرح وإطلاق النكت في كل المواقف والأحداث، بل في أشد الأزمات وأكثرها ألماً ولا يتردد المصري في إطلاق النكت كنوع من السخرية على أوضاع يعيشها ومشكلات اقتصادية واجتماعية يومية يحياها، فكل المواقف والظروف تشكل مصدر إلهام لإشعال وإذكاء روح المنافسة بين من يمتلكون هذه الموهبة.
ويبدو أن هذه الروح لن تكون حكرا على الأخوة المصريين بل سيكون لمواطني الدولة نصيب كبير فيها أفرزها الواقع اليومي فحالة الشوارع والطرقات وما تشهده من زحام هو أشبه بكابوس يومي، هي مصدر لإطلاق النكت، الغلاء والارتفاع الجنوني في الأسعار له نكت محلية يطلقها شباب مواطنون ويتبادلونها عبر الرسائل النصية القصيرة أو رسائل إلكترونية.
ولعل أكثر القضايا التي تكون مادة دسمة للنكت المليئة بروح الدعابة والفكاهة هي التي تتعلق بالإجراءات الخاصة ببطاقة الهوية الوطنية آخرها كان ما تداوله المواطنون وتناقلتها هواتفهم النقالة. وتتحدث النكتة عما كان عليه البنات والأولاد الصغار في السبعينات ومطلع الثمانينات، كثيرون سعدوا بذلك «المسج» الذي وإن جاء في سياق الطرفة وحملوها بتوقيع الهيئة الوطنية للهوية وختموها بعبارة «أنا وطني وطني أنا» .
لأنه فعلا أورد تفاصيل حياتية يومية للصغار في ذلك الزمن، وكثيرون ممن أصبحوا اليوم رجالا ونساء وآباء وأمهات لأبناء لا يحظون بما كان لهم ضحكوا كثيرا من الأعماق وترحموا على أيام «كنادير عنقاش» و«الأيس كريم بوحطب» و«سيارة الفليت ـ المبيد ـ والدخان الكثيف الذي ينبعث منه. وكان مروره الموعد الجميل الذي ينتظره الصغار لملاحقة السيارة والدخان» بل وكلاب الفرجان. جميعها أصبح اسمها «بوبي» أسوة بكلب الأسرة الأجنبية التي تقطن في زاوية الحي تنادي كلبها «بوبي» ومنهم تعلموا تلك الجملة «كمون بوبي» ـ تعالى بوبي -.
في الماضي كانت البساطة سمة كل شيء بدءا بالملابس والأقدام الحافية والشعر الأشعث والغبار والأتربة التي تغطي كل شيء، فمن الطبيعي أن يكون كل شيء في ذلك الوقت بسيطا، ومن الطبيعي جدا وقد وصل الحال إلى ما بلغه من تطور وتقدم أن يكون كل ذلك مثاراً لتبادل الطرائف، بما تحمل في ثناياها بذكريات لا تزال باقية في أذهان من عاصر وعاش تلك الأيام، وتكون مبعث سعادة لهم، تعيدهم إلى ما كان، ويصبح الماضي الجميل زاوية يفر إليها المواطن، وينزوي في ركن منها كلما ألمت به الهموم وزاد عليه ما يثقل كاهله.
