المؤشرات التي تم رصدها مؤخرا في وسط أوروبا عززت حالة القلق السائدة بخصوص الرئاسة التشيكية للاتحاد الأوروبي، في ظل ما توفر من معطيات إضافية حول الأجندة المهمة والمليئة بالعناوين الضخمة، والتي يفترض بالتشيك أن يولوها أهمية خاصة بحكم موقعهم كرئيس للدورة المقبلة.
ويبدو أن القلق لم ينبع من احتمال التشكيك بالقدرة التنظيمية لهذه الدولة اليافعة، بل من حقائق عديدة مرتبطة بالتوجه السياسي والاقتصادي الاستراتيجي، إضافة لاعتبارات أخرى مرتبطة بالوضع السياسي الداخلي في تشيكيا نفسها.
وفي ظل الإشاعات الكثيرة التي تلاقفتها الأوساط السياسية والإعلامية في أوروبا بخصوص هذا القلق وما ارتبط به من معلومات حول وجود نية فرنسية لتمديد فترة رئاستها للاتحاد الأوروبي، عُقد اللقاء الطارئ بين الرئيس الفرنسي ورئيس الوزراء التشيكي ليضع النقاط على الحروف، وليرسم على ما يبدو خارطة الطريق التي يجب على التشيك أن يلتزموا بها خلال فترة ترؤسهم للاتحاد المذكور.
وبرغم النفي الفرنسي الدبلوماسي عن احتمال وجود نية لتمديد فترة الرئاسة، إلا أن الكواليس السياسية والإعلامية في تشيكيا أكدت هذا الخبر، لكن مع حرصها على الإشارة بأن رغبة باريس بتمديد فترة سلطتها على أوروبا ليست موجهة ضد تشيكيا ككيان، لأن الحديث عن ذلك كان سيتم حتى لو كانت دولة أخرى تستعد لتسلّم مهامها مثل السويد أو غيرها.
فهل التفسير التشيكي صحيح، أم أن ثمة أمورا أخرى تفرض نفسها على خارطة العلاقات الأوروبية وتجعل من الرئاسة المقبلة للاتحاد الأوروبي مادة حيّة وشيّقة؟ أن المراقب للوضع في وسط أوروبا يرى بوضوح أن تشيكيا اليوم، أي في ظل حكومتها الائتلافية المكونة من أحزاب متفاوتة في توجهاتها السياسية لكن التي يطغى عليها التوجه المشكك بعملية التكامل الأوروبي، تتميّز عن غيرها من دول الاتحاد الأوروبي في كثير من الأمور التي يمكن اختصارها على الشكل التالي:
- التوجهات الاقتصادية التي تقرّبها على الأرجح من الدول المشكّكة في أهمية نشوء كيان اقتصادي أوروبي مندمج بشكل كامل، مع كل ما قد يترتب على ذلك من إجراءات اقتصادية ومالية توحيدية مثل تبنّي العملة الأوروبية والخضوع للماكينة البيروقراطية لبروكسل.
فتشيكيا لا تزال مصرة حتى اليوم على عدم الإعلان عن موعد رسمي لتبني اليورو، برغم استعدادها الاقتصادي والمالي الكامل للقيام بتلك الخطوة الاستراتيجية. وإن دل ذلك على شيء، فأنه يدل حتما على عدم ثقة القيادة السياسية التشيكية بمدلولات وأهمية خطوة من هذا القبيل. هذا الأمر يثير حتما الهلع في نفوس الدول التي تبنّت اليورو، والتي يتخبّط قطاعها المالي حاليا بأزمة جدّية ليس معروفا بعد كيف ستكون نهايتها.
- المنحى السياسي السلبي الذي يتبناه بعض المسؤولين التشيك من عملية التكامل الأوروبي، والذي يطغى عليه أيضاً الطابع المشكك بجدوى الخطوات السياسية التي تسعى بعض الدول لفرضها من أجل تكريس الخيار الوحدوي الاستراتيجي المؤدي لنشوء كيان قوي في المستقبل.
ويبرز في هذا السياق الرئيس التشيكي فاتسلاف كلاوس الذي لا يخفي آراءه بأي شكل من الأشكال، بل يتحدث عنها بشكل علني في خطاباته ومحاضراته المختارة التي يلقيها بين وقت وآخر في المنتديات الدولية.
ولعل أقل ما يمكن أن يقال عن هذه الآراء هو أنها تتسبب بإحراج كبير للحكومات التشيكية المتعاقبة بغض النظر عن توجهها السياسي، حيث ان الخيار الاستراتيجي العام للسلطات التنفيذية في براغ هو مؤيد لعملية التكامل الأوروبي، وإن اختلفت الحكومات المتعاقبة في التفسير وفق انتمائها الإيديولوجي.
- ويبدو بأن السببين المذكورين أعلاه قد انعكسا في سبب ثالث يبدو في الوقت الحاضر أكثر آنية من غيره، وينحصر في تلكوء براغ بالمصادقة على اتفاقية لشبونة التي من المفترض أن تحلّ مكان الدستور الأوروبي الموحد الذي تم رفضه في السابق.
في هذا السياق يرى الفرنسون وأنصارهم، بأنه يحق لهم أن يشعروا بالقلق على الأقل لأن رئيس الدورة المقبلة للاتحاد الأوروبي لم يصادق بعد على هذه الاتفاقية المهمة، لا بل أنه يقوم أحيانا بخطوات تشكك بجدواها مثلما فعل الحزب المدني الديمقراطي الذي ينتمي إليه رئيسا الجمهورية والوزراء معا.
وللتذكير، فقد أصر الحزب المذكور على عرض اتفاقية لشبونة على المحكمة الدستورية للنظر في مدى انسجامها مع القوانين المحلية، مستخدما الأغلبية التي يتمتع بها في مجلس الشيوخ. وفي الوقت الذي اعتبر فيه الحزب هذا الأمر شأنا سياديا داخليا، رأى فيه الأوروبيون المتحمسون لعملية التكامل عاملا مشوّشا على روح التضامن السائدة بين معظم الدول الأعضاء على الأقل.
وحتى تاريخ كتابة هذه السطور، كانت الحكومة التشيكية مشكّكة في إمكانية المصادقة على الاتفاقية المذكورة قبل نهاية العام الحالي، في حين أظهر استطلاع رأي لمعهد «ستيم» المحلي، بأن غالبية الشعب التشيكي هي ضد الاتفاقية. هذا سيساهم بلا شك بزيادة نسبة القلق لدى بعض الدول التي تنظر بعين الريبة للرئاسة التشيكية.
مقابل كل ذلك، تبرز أمامنا بطبيعة الحال تطورات الوضع السياسي الداخلي في تشيكيا، والتي تعكس اضطرابات واضحة في حجم التأييد الشعبي للحكومة الائتلافية الحالية، وتراجعا في نسبة التأييد المحلي لأية قرارات قد تتبناها في المستقبل. هذا الأمر يساهم حتما بتعزيز الشكوك على خطين متوازيين، الأول محلي متمثل في المعارضة التي تدعو لتغيير الحكومة وتسليم البلاد لحكومة إدارية جديدة، والثاني إقليمي ؟
أوروبي مشكك أيضاً في حجم النفوذ الذي تتمتّع به الحكومة الحالية برغم اعتمادها على ثلاثة أحزاب برلمانية. وإذا أضفنا لهذا الخليط ما سبق أن ذكرناه في مقالات سابقة حول التوجه السياسي الخارجي لتشيكيا، نصل لقناعة مفادها أن القلق قد بات فعلا في محله.
