باراك أوباما أصبح رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، وقد عم الفرح مختلف أصقاع الأرض، نظرا لما ينتظره العالم من هذا الرئيس الجديد الذي سلك طريقا للوصول إلى قمة الرئاسة الأميركية من غير الطرق المألوفة لدى أسلافه، رافعاً شعار التغيير لأمة أميركية متعبة ومحبطة المعنويات من الايديولوجيا«البوشية» وسياسة الغطرسة.. إنه أول رئيس أميركي يدخل إلى البيت البيض من أصل إفريقي، وهو ما يعتبر تحولا تاريخيا في الثقافة والسياسة الأميركية يعكس لنا حيوية المجتمع المدني الأميركي على تجديد ديمقراطيته.

لكن الرئيس الجديد سيواجه مهمة غاية في الصعوبة والتعقيد، وهي بكل تأكيد، الأكثر صعوبة منذ انتخاب الرئيس الراحل فرانكلين روزفلت في عام 1932، في عز أزمة الرأسمالية العالمية، وسيطرة الكساد الاقتصادي. فهو مطالب بتخطي الإيديولوجية البوشية التي تمجد الليبرالية الجديدة المتطرفة، وبتعزيز دور الدولة في الاقتصاد، وزيادة النفقات الاجتماعية.

أما في مجال السياسة الخارجية، فإن أوباما يرث كارثة بكل المقاييس. ثماني سنوات من «البوشية» جعلت أميركا مكروهة على مستوى كوني. فأميركا تخوض ثلاث حروب معلنة في الوقت عينه، حرب في العراق، وحرب في أفغانستان.

وحرب متعددة الجانب ضد الإرهاب، وحرب رابعة خفية ضد التحالف الاستراتيجي القائم بين سوريا وإيران، الذي يشكل بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، تهديدا استراتيجيا للأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وللمصالح الأميركية الحيوية في هذه المنطقة المضطربة من العالم.

على الرغم من أن السياسة الخارجية كانت الملف الغامض في الحملة الانتخابية للرئيس باراك أوباما، فإن المحللين الأميركيين يعتقدون بأنه بصرف النظر عن الرئيس المنتخب أوباما ورؤيته في التعاطي مع أزمات الشرق الأوسط، فإن المحدد الأساس في السياسة الخارجية في واشنطن تظل المؤسسة باعتبار أميركا دولة مؤسسات، أي «الإستابليشمانت»، التي تحدد المصالح الحيوية والاستراتيجية للولايات المتحدة، وترسم السياسة الخارجية التي تخدم هذه المصالح.

العارفون بخبايا السياسة الخارجية الأميركية، يقولون إن الرئيس المنتخب أوباما هو ابن هذه المؤسسة، وهو لم يصل إلى سدة الرئاسة في واشنطن من خارجها، والحال هذه كانت الاتصالات والمشاورات قائمة بينه وبين هذه المؤسسة في ظل معركته الانتخابية. فالمعلومات المتداولة في واشنطن تفيد أن الغارة الأميركية الأخيرة على سوريا تم التشاور معه بصددها.

في ملف العراق، بات واضحا أن الرئيس أوباما سيطبق ما وعد به في حملته الانتخابية لجهة سحب القوات الأميركية من هذا البلد العربي الجريح وفقا للجدول الزمني الذي وضعه. أما فيما يتعلق بالحرب في أفغانستان، فإن أوباما يعتبرها الجبهة الرئيسة في خوض الحرب على الإرهاب، والحال هذه فإن الاشتباك مع «القاعدة » وحركة «طالبان» في أفغانستان وباكستان سيظل مستمرا.

وإن كانت «القاعدة» ضعفت كثيرا خلال السنة الماضية بسبب تراجع عملياتها. لكن سياسة الرئيس الجديد تريد إرسال مزيد من القوات الأميركية على الجبهة الأفغانية، لتحقيق نصر يعزز قوات الحلف الأطلسي «إيساف» في أفغانستان، ولا بأس من فتح حوار بين الحكم الضعيف في كابول وحركة «طالبان» يعبد لها طريق المشاركة في السلطة.

لا شك أن الرئيس أوباما ومن خلال حملته الانتخابية، يفضل فتح صفحة جديدة مع كل من إيران وسوريا عبر بدء حوار محتمل جدي معهما، لكن هذا الحوار المحتمل سيشكل تغييرا في أسلوب التعاطي معهما، من دون أن يشكل تغييرا عن سياسة سلفه بوش في الجوهر والمضمون، ربما يكون مشابها للأسلوب عينه الذي اعتمده الرئيس ساركوزي في الانفتاح على سوريا.

من هنا الحذر من «التغيير» الذي سينتهجه أوباما في مجال السياسات الخارجية «البوشية» تجاه أزمات الشرق الأوسط، يجب أن يكون سيد الموقف، لأن الرهان الإيراني والسوري على الرئيس الجديد لحل القضايا العالقة بين واشنطن وكل من طهران ودمشق يبدو بسيطا بعض الشيء.

ذلك أن أوباما يريد بالوسائل الدبلوماسية تحقيق الأهداف والمطالب ذاتها لبوش. فالسياسة الخارجية جزء من الاستراتيجية الكونية لأميركا لا يصنعها الرئيس بمفرده، بل المجمع الاحتكاري الصناعي والعسكري واللوبيات المتعددة.

tawfik-m@scs-net.org