توصية اللجنة الرباعية الدولية، بضرورة الاستمرار في العملية السلمية؛ ضمن إطار أنابوليس، تبدو وكأنها في غير محلها. بل غريبة. التعبير عن حرصها على السلام والعملية السلمية؛ شيء مطلوب. ولو أنه لا يكفي لوحده. لكن أن ينسحب هذا الحرص على أنابوليس، الذي أمعنت إسرائيل في تفريغه من أي مضمون؛ هو شيء آخر، يصعب فهمه. لاسيما عندما يصدر عن لجنة، بقيت كل هذه السنوات في مقعد المتفرج.

إسرائيل تمعن في التحايل والنسف، لكافة فرص السلام؛ وهي تكتفي باجتماعات رفع العتب وتكرار دعمها اللفظي لمفاوضات السلام. الرباعية منذ تشكيلها حكمها الشلل. لا فرق إن كان قد فرض عليها، أم أنها ارتضته بالتواطؤ. والآن،عشية رحيل إدارة الرئيس بوش، التي صادرت اللجنة.

تجتمع هذه الأخيرة لتوصي بوجوب متابعة جهود السلام على أسس أنابوليس والبناء على ما تحقق؛ باعتباره «نقطة بداية»، يمكن الانطلاق منها؛ مع إدارة أوباما القادمة. إذا كان كل ما توصلت إليه الاتفاقيات واللقاءات والمفاوضات، ناهيك بالزيارات والمؤتمرات؛ حتى الآن، ليس سوى «نقطة البداية»؛ فمتى تكون نقطة النهاية؟

العطب الأصلي يكمن في الدور الذي تحدّد للرباعية، بكونه يقتصر على الاكتفاء بضخ الدعم فقط لعملية التفاوض. لا هي وسيط ولا هي مرجعية. ليس لها أكثر من تقديم تقويمها وأحياناً ملاحظاتها؛ حول مسيرة المفاوضات؛ ومن خارج الغرفة، المضروب حولها سور أميركي، يكفل استفراد إسرائيل بالجانب الفلسطيني.

وحتى في مثل هذه الحال، كان يمكن فهم توصية اللجنة؛ لو أن أنابوليس غادر تخوم الورق والحبر. ما حصل بعده، وما زال يحصل، ليس أقل من ارتداد إلى نقيضه. صار تطبيقه، على فرض توفرت النيّة لذلك، يحتاج إلى أنابوليس جديد يتكفل بإزالة الموانع من طريقه.

الأمر الواقع المستجد على الأرض والمتمثل بمواصلة الجدار والتوسع الاستيطاني، صار يحول دون ذلك. الإصرار على المضي في بناء المستوطنات، كان رسالة مبكرة على أن مصير أنابوليس لن يكون بأفضل من سوابقه. وبعد أن مات وشبع موتاً، تأتي اللجنة لبعث الروح فيه. وهي تدرك من تجربتها، بأنه حتى ولو بقي هذا الاتفاق معمولاً به كأساس؛ فإن مرجعيته محكومة بنفس المصير؛ طالما بقيت المعادلة على حالها.

طالما بقيت إسرائيل مستفردة بالمفاوضات وتحت غطاء أميركي؛ وبقي دور اللجنة على وضعه السابق؛ فإن الحصيلة معروفة سلفاً. نفس المقدمات، نفس النتائج. الأجدر باللجنة أن تقوم، أو تحاول القيام، بنقلة نوعية، مع مجيء الإدارة الأميركية الجديدة؛ لتعزيز دورها وتطويره. وإلا فإن لقاءاتها اللاحقة، أينما عقدت، محكومة بالعجز؛ إن لم يكن بمواصلة لعبة التخدير.