أطلقت ألمانيا على عام 2008 عام الرياضيات، لأن الرياضيات تعني لشعب متقدم علمياً وتقنياً كالشعب الألماني الشيء الكثير، فقد تفتق هذا الحقل من حقول العلم والمعرفة عن حلول ومنجزات ومخترعات لا يمكن تخيّل الحياة المعاصرة بدونها.

بل إن الرياضيات أسفرت قبل كل شيء عن إطلاق مدارك العقل البشري في فضاءات الإبداع ومديات الخيال، حتى انه لم يعد هناك فرع من فروع المعرفة إلا والرياضيات أداة من أدواته الكمية للقياس والتحليل والتنبؤ واستنتاج النظريات والأسس والقواعد العلمية.

الملاحظ في هذه الاحتفالية المتميزة أنها جاءت بلا ألعاب نارية ملوثة للبيئة ولا صراخ إعلامي متشنج، بل انسابت في هدوء كما ينساب نهر الراين الوقور، وكما يتأمل النهرَ عشاقُه والباحثون عن المتعة الراقصة على عزف الطبيعة.

كذلك احتفل بالرياضيات عشرات الألوف من العقول والأدمغة الألمانية التي أصبحت الرياضيات جزءا لا يتجزأ من تكوينها الخلوي، والباحثون عن متعة الابتكار في حميمية اللقاء بين رهبة الصمت في محراب من محاريب المعرفة، وارتحال العقل والفكر في عوالمها بحثا عن المزيد من كنوزها.

ولكن هذه المناسبة لا تتوقف عند كونها احتفالا بالرياضيات، لأن الاحتفال مجرد مظهر رمزي من مظاهر التعبير عن الإنجاز، أما الجوهر فهو احتفاء بالإنسان المتفكر بحكمة والمدرك بوعي والمتحرك بإيجابية، فأي قيمة تمثلها الرياضيات أو غير الرياضيات إذا لم تتحول من مجرد حقائق ونظريات إلى نتاجات وإلى محركات حقيقية من محركات الحضارة.

مما لا يتأتى إلا بحركة الإنسان وتأثيره، أما إذا سقط (الإنسان) من حسابات الاهتمام فإن تلك البيئة البشرية ستجد نفسها عند مفترق طريق مخادع، وإذا لم تبادر إلى مراجعة حساباتها فإنها ستصبح غثائية الفاعلية، وستتبعثر حركتها في اتجاهين لا طائل من وراء كليهما لأنها ستقع تحت تأثير إشكاليتين متلازمتين: الاهتمام بغير الإنسان، أو الإنسان بغير اهتمام.

أبرع من يلتقط صورة انزلاق البيئة البشرية إلى منحدر الاهتمام بغير الإنسان ويعيد بثها مع سبق الإصرار والترصد هي وسائل الإعلام المتلفزة، من خلال المساحة التي تمنحها لإنسان بيئتها وهي تتعرض لإبراز جوانب التطور فتتفنن في إلقاء الأضواء على الجوانب المادية من أبنية وطرق وجسور وسدود وحتى الآثار والأشجار.

في تعبير صارخ عن هيمنة الكونكريت والجمادات، بينما لا يكاد العقل البشري ولا الجسد الذي يحمله أن يُرَيان بالعين المجردة في إطار الصورة المأخوذة من علو شاهق يجعل الإنسان أشد تضاؤلا وهامشية وتدنيا للقيمة.

بل إن شاشة هذا الإعلام تكاد أن تخلو تماما من رصد حركة الإنسان وهو يتعلم ويعلم أو وهو يزرع ويصنع أو وهو يرسم ويلعب أو على الأقل وهو يخطط ويبني، في مفارقة مثيرة للغرابة أن يتحيز الإنسان إلى تلك الأنصاب الأسمنتية ويتفاخر بها، ولا يفخر ببني جنسه ومنجزاتهم.

أما أقدر من يصور انزلاق البيئة إلى منحدر الإنسان بغير اهتمام وبمهارة يحسد عليها فهي الصحافة، حيث الصورة والكلمة احتكار يصل إلى درجة القداسة للسياسيين وكبار المسؤولين والرياضيين (نسبة إلى الرياضة وليس إلى الرياضيات) والفنانين وفئة منتقاة من المثقفين، مع أن هؤلاء لا يمثلون الصورة الكاملة للإنسان ولا القيم ولا الإنجازات، بقدر ما يمثلون شريحة ضئيلة من الشرائح في إطار الحركة اليومية الشمولية للمجتمع.

وهذا أيضا بغض النظر عن العائد الحضاري الذي يجنيه المجتمع من وراء تلك الحركة التي غالبا ما تكون عبثية؛ أما عقل الإنسان ومشاعره ومشاركته بغض النظر عن كونه سياسيا أو اقتصاديا أو عسكريا أو تربويا أو أديبا أو عالما في الرياضيات أو حتى مصمما للأزياء، فمما لا يقع في دائرة اهتمام هذه النافذة الإعلامية الخطيرة، والمفارقة هنا تكمن في توظيف هذا المنبر الحر لممارسة مكشوفة في مجال التعتيم الفكري والتمييز الطبقي.

وأيا من هذين الخيارين وقعت البيئة البشرية تحت تأثيره، فإنها ستجد نفسها مجبرة على دفع الثمن بالتحول التلقائي والفوري إلى مستنقع من البشر الذين يتحركون كأي كائنات حية.

ولكنهم لا يستمدون قيمتهم إلا من قيمة الأشياء التي يستحوذون عليها أو يتحركون على مقربة منها، وبهذا العداء الصامت في تلك البيئة للإنسان، تكون قيمة الإنسان في معادلة التطور الحضاري باعتباره أهم ركائزها ككيان وكتأثير وكتفاعل ما تزال أقرب ما تكون إلى الصفر.

من المبادئ التي تقوم عليها التربية الحديثة هناك مبدأ يطلق عليه «استثمار الفوارق الفردية»، والاهتمام بالإنسان هو محرك استثمار تلك الفوارق، لأن الاهتمام برنامج استثماري شامل يحتوي على عمليات البناء المنهجي والرعاية وإتاحة الفرصة (منح الثقة) والتحفيز وتقدير الإنتاج والإنجاز.

وكلها عمليات تستلزم التركيز على الجانب المتميز في شخصية الفرد في مختلف مراحله العمرية، لا أن يخضع الأفراد بمجموعهم لبرنامج واحد وكأنهم فئران التجارب، أو أن يلتبس الأمر بالاعتقاد بأن عملية البناء (التي لا تزيد في الدول المتخلفة عن عملية الاهتمام بالتعليم والقراءة والكتابة حصريا) هي ذاتها عملية الاهتمام، فالبناء يتحمل الإنسان نفسه أكثر من 60% من مسؤوليته، أما الاهتمام فمسؤولية تتحملها الأُسر والمؤسسات والبيئة والمجتمع الذي ينتمي إليه بنسبة 100%، استنادا إلى القاعدة المستمدة من الحديث الشريف المشهور: (ألا كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته»..»).

وبهذا التنظير الواقعي والمعنوي، فإن الإنسان ـ صاحب القيمة الأعلى بلا منازع بين عناصر معادلة التسابق الحضاري، وبؤرة النشاط البنائي والحضاري ـ يستمد قيمته من «ماذا يعرف أو ماذا يتقن» لا إلى «من ينتمي» ولا إلى «كم يملك».

ومن ثَمّ فإنه لا ينبغي أن يكون للطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها أو للطبقة السياسية التي يواليها أو للطبقة الاقتصادية التي يصنف فيها أدنى تأثير على جهود المجتمع أثناء صياغة برنامج الاهتمام بالإنسان؛ أما طالما ظلت تلك الجهود محكومة أو مقيدة بتقاليد التفاضل الطبقي فهذا إيذان بتوقف حركة الزمن، وتفريط في استثمار التمايز الفردي، وامتهان لمكانة العلم والمعرفة بحصرها في كونهما مجموعة مواد دراسية يتعلمها النشء الجديد حيث يجري تعذيبه وإشقاؤه بالامتحانات والاختبارات إما ليرسب أو لينجح بأي طريقة.

وليحصل بذلك على الوثيقة التي تؤهله للعمل والعيش والعودة إلى وتيرة إحالة الوقت والطاقة والمال إلى لا شيء، وبهذا لا تستحق هذه البيئة البشرية أن تسمى مجتمعا أو أمة، بل مستنقعا بشريا يموج سطحه بالحركة الغثائية كحركة الحشرات، وقاعه الكئيب يعد في بطء شديد عدته لانتهاء دورة وجوده.

كاتب إماراتي

opinion@albayan.ae