كلما تصورنا أننا خرجنا من دائرة التخلف العلمي والثقافي أعادتنا البحوث والدراسات إلى الدائرة من جديد، لأن لغة الإحصاءات والأرقام أقوى من لغة الأمنيات والأحلام.
آخر هذه التقارير «التقرير العربي الأول للتنمية الثقافية» الذي أعدته «مؤسسة الفكر العربي» وتستعد لإطلاقه من القاهرة في مؤتمرها السابع (فكر7) الذي ينعقد خلال الفترة من 13 إلى 17 نوفمبر الجاري، كأول تقرير سنوي تصدره مؤسسة عربية بتمويل عربي حول مقومات التنمية الثقافية في 22 دولة عربية، وسيصدر في أكثر من 700 صفحة.
ووفقا للتقرير الذي سوف يعلنه رئيس المؤسسة الأمير خالد الفيصل فإن معدل الالتحاق بالتعليم في الدول العربية لا يتجاوز 8, 21% في حين يصل في كوريا الجنوبية إلى 91% وفي استراليا 72% وفي إسرائيل 58%. وبينما هناك كتاب يصدر لكل 500 إنجليزي ولكل 900 ألماني، فإن هناك كتابا يصدر لكل 12 ألف مواطن عربي، أي أن معدل القراءة في العالم العربي لا يتجاوز 4% من معدل القراءة في إنجلترا!
يتناول التقرير خمس قضايا أساسية أدرجت على شكل ملفات هي: التعليم العالي في البلدان العربية، والإعلام العربي في تجلياته المقروءة والفضائية والإلكترونية، وحركة التأليف والنشر في 18 دولة عربية.
والإبداع العربي عام 2007 (الشعر، السرد، السينما، المسرح، الدراما، الموسيقى والغناء) والحصاد الثقافي السنوي في العالم العربي، معتمدا على وسائل الاستقراء والإحصاء والتحليل، بعيدا عن الخطاب الأيديولوجي، بمعنى أنه ينشغل بأدوات الثقافة وليس بالخطاب الثقافي، وفق ما جاء على لسان أمين عام المؤسسة.
في التقرير بعض الإحصاءات والأرقام التي تسترعي الانتباه، ففي مجال حركة التأليف والنشر على سبيل المثال، تضمن التقرير تحليلا عن إجمالي الكتب التي نشرت في العالم العربي عام 2007 .
وبلغت 27809 كتب، لم يمثل المنشور منها في مجال العلوم والمعارف المختلفة سوى 15% بينما بلغت نسبة المنشور في الأدب والأديان والإنسانيات 65% من هذا الرقم، وأشار التقرير إلى أن العالم العربي لا يصنع أكثر من 35 إلى 40% من حاجته من مادة الورق، ويستورد نحو 65% منها، في الوقت الذي تضيق فيه السودان بالمواد الخام التي يصنع منها الورق، بل وتدفع مبالغ للتخلص منها بوصفها نفايات أو مخلفات!
وقدّر التقرير عدد المدونات العربية على شبكة الإنترنت بحوالي 490 ألف مدونة، وهي نسبة لا تتعدى 7, 0% من مجموع المدونات عالميا، ويوجد في مصر وحدها 62 ألف مدونة، وهو ما يشكل 31% من إجمالي المدونات العربية.
وعلى صعيد دوافع استخدام الإنترنت لدى المواطن العربي يأتي دافع الترفيه في المرتبة الأولى بنسبة 46% بينما يبلغ دافع التماس المعلومات 26% ويبلغ عدد المواقع العربية المسجلة على الإنترنت 41745 موقعا حسب إحصائية 2007، ولا يشكل هذا العدد سوى نسبة 0،026 من إجمالي عدد المواقع العالمية، وأعلى معدل نسبة استخدام للإنترنت إلى عدد السكان على المستوى العربي في الإمارات 33% وتأتي قطر في المرتبة الثانية بنسبة 26% بينما تبلغ في مصر 7% والسعودية 11% وسوريا 7%.
وعلى مستوى الإعلام الفضائي يبلغ مجموع الفضائيات العربية 482 فضائية، والرقم في تزايد مستمر، أما على صعيد القنوات المتخصصة فتمثل القنوات الدينية 19% تليها قنوات الأغاني 18% بينما تبلغ نسبة قنوات الأدب والثقافة 8, 4%!
اللافت في هذا التقرير أنه أول تقرير تعده مؤسسة عربية غير حكومية بعد عدد من تقارير التنمية البشرية التي أعدها «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» الذي بدأ إصدار السلسلة الأولى من تقارير التنمية البشرية العربية عام 2002 بهدف تحليل المعوقات الأساسية التي تعترض سبيل التنمية البشرية في المنطقة، والتي حددتها التقارير في ثلاثة نواقص هي: المعرفة، والحرية، وتمكين المرأة.
واضح أن النتائج التي توصل إليها «التقرير العربي الأول للتنمية الثقافية» الذي أعدته «مؤسسة الفكر العربي» لا يختلف كثيرا عن تقرير التنمية البشرية الثاني الذي أصدره «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» عام 2003 تحت عنوان «بناء مجتمع المعرفة» وتناول قضية نقص المعرفة في المنطقة العربية، وعالج مواضيع تراوحت بين نوعية التعليم وحرية الرأي والتعبير، وخلص إلى أنه لا يمكن للدول العربية أن تزدهر وتحقق تنمية بشرية فعلية إلا من خلال الاهتمام بتأسيس مجتمعات المعرفة.
وبعد خمس سنوات يأتي «التقرير العربي الأول للتنمية الثقافية» ليقول في «ملف التعليم» الذي يتناول قضية الجودة التعليمية - عندما يتحدث عن كفاية عدد الأستاذة في التعليم العالي إلى عدد الطلاب - إن متوسط النسبة في العالم العربي هو أستاذ جامعي لكل 24 طالبا، بينما في اليابان أستاذ جامعي لكل 8 طلاب فقط، وفي أميركا أستاذ جامعي لكل 13 طالبا.
ويرصد التقرير ظاهرة الإقبال الملحوظ من قبل الطلاب العرب على دراسة الإنسانيات والعلوم الاجتماعية مقارنة بدراسة العلوم التطبيقية والبحثية ومدى انعكاسات هذا الخلل على عملية التنمية، حيث يكشف عن أن دراسة الإنسانيات والعلوم الاجتماعية في مصر التي تمثل أكبر تجمع سكاني عربي تبلغ نسبتها 79% من مجموع الملتحقين بالتعليم الجامعي، وهي أعلى نسبة في العالم العربي.
«التقرير العربي الأول للتنمية الثقافية» خطوة موفقة نحو بحث عربي موثق لواقعنا التعليمي والثقافي، وما ظهر منه قبل إطلاقه كاملا يعتبر مؤشرا جيدا على أن المؤسسة ماضية في تحقيق الأهداف المرسومة لمؤتمرها السابع الذي ينعقد تحت عنوان «ثقافة التنمية» .
وهي تسعى إلى إثراء عملية التنمية والتقدم في العالم العربي من خلال توظيف الثقافة في عملية التنمية، خاصة مع إشراك الشباب في مناقشة هويتهم مع مجموعة من المفكرين وصناع القرار في العالم العربي، حيث يشكل الشباب اليوم الشريحة الأكبر في مجتمعاتنا العربية بنسبة تزيد عن 60% من إجمالي عدد السكان.
صحيح أن هذا التقرير يضعنا مرة أخرى أمام حقيقة أننا ما زلنا متخلفين علميا وثقافيا، وأن المساحة شاسعة بيننا وبين الآخرين، لكن مجرد الاعتراف بهذه الحقيقة يعد خطوة نحو التغيير الذي لا نتوقع أن يحدث بين يوم وليلة، لكنه آت بحكم نواميس الكون التي لا تتبدل.
كاتب إماراتي