بالمعايير والمقاييس والقيم الأميركية والغربية فان فوز اوباما يشكل تطورا دراماتيكيا مثيرا في منظومة العلاقات المجتمعية الداخلية الأميركية..!.غير أن الأسئلة الكبيرة التي يطرحها العرب من محيطهم إلى خليجهم: ماذا يحمل الرئيس الجديد للعرب.هل يا ترى يعتزم حقا تغيير السياسات الأميركية التقليدية المناهضة لقضايا ومصالح العرب.أم أن الأجندة السياسية الأميركية تجاه العرب ستستمر كما هي وكما ورثها له بوش...؟!
- وفي القضية الفلسطينية –قضية القرن- هل يعتزم اوباما انتهاج سياسة اخرى تعجل مثلا في التوصل إلى تسوية سياسية وفي حل قضايا اللاجئين والقدس وفي تعجيل اقامة الدولة الفلسطينية. وهل ستسير رياح اوباما في هذه القضية كما يأمل نحو ثلث الفلسطينيين وكما تأمل القيادة الفلسطينية التي رحبت بفوزه. أم تسير باتجاه ما تشتهيه «إسرائيل» التي اعربت عن ارتياحها إلى حد كبير ...؟!
- وفي الملف العراقي ايضا: هل يحمل اوباما في جعبته تغييرا حقيقيا في السياسة الأميركية تجاه العراق..وهل يعتزم فعلا برمجة سحب القوات الأميركية من العراق على مدى ستة عشر شهرا كما كان أعلن..وهل يعتذر يا ترى عن جرائم بوش التي ارتقت إلى مستوى هولوكوستي في العراق. الآمال والتطلعات العربية المعلنة كبيرة، فهل ترتقي سياسات اوباما إلى مستوى هذه الآمال والتطلعات .. أم ستختلف الحسابات لديه فيما يتعلق بالعرب وفلسطين والعراق...؟.
الارث الذي خلفه له الرئيس بوش ثقيل وصعب والاستحقاقات المتعلقة بفلسطين والعراق ثقيلة أيضا. ففي القضية الفلسطينية ترك امامه بوش خريطة طريق تائهة باتت بلا طريق.. وورثه تعهدات والتزامات استراتيجية لصالح «إسرائيل» وخاصة «وعد بوش لشارون« و«اعترافه بحقائق الامر الواقع الاستيطاني في القدس والضفة الغربية»، و«التزامه بالدفاع عن امن إسرائيل وتفوقها المطلق على العرب».. فماذا يقول اوباما اذا في كل ذلك؟
الفاتحة الاوبامية لا تبعث على التفاؤل.. والعين الإسرائيلية تتابع تحركات اوباما في تشكيل طاقمه الداخلي والخارجي، ولم يخيب اوباما «إسرائيل» في اول اجراء له بعد فوزه، اذ اعلن عن تعييّن «رام عمانوئيل» وهو من أصل إسرائيلي رئيساً لطاقم البيت الأبيض، بعد ان كان قد عين منذ بدايات حملته الانتخابية السيناتور ديلاور جوزيف بايدن كنائب له، وقد عرف نفسه بأنه «صهيوني».
ومنذ البداية ايضا رد اوباما كتابيا على اسئلة لصحيفة « يديعوت احرونوت- 27-2-2008» في مقابلة حصرية عرض مواقفه في مواضيع إسرائيل، الفلسطينيين وايران، فيما يلي اهم ما جاء فيها:
«*السناتور اوباما في إسرائيل وفي الطوائف اليهودية في الولايات المتحدة يوجد تخوف في أن تبدي ميلا للجانب العربي بسبب خلفيتك الاسلامية، فما هو تعقيبك على ذلك؟
- أولا، من المهم معرفة الحقائق كما هي/ وهذه هي انني لست مسلما ولم اكن كذلك ابدا، لم اتعلم في أي مدرسة اسلامية ولم اقسم على القرآن، انا ملتزم بالمسيحية، وكنت على مدى أربع سنوات في اندونيسيا عندما كنت طفلا وتعلمت هناك في مدرسة علمانية، وعندما اقسمت فعلت ذلك على كتاب العهد القديم الذي يعود إلى العائلة.
*على مدى سنوات عديدة رأت إسرائيل في رئيس الولايات المتحدة صديقا، فهل هذه الصداقة ستستمر عندما تصبح رئيسا؟.
- «بتأكيد مطلق الجواب هو نعم، سأجلب معي إلى البيت الابيض التزاما غير قابل للشك بأمن دولة إسرائيل والصداقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل». وشهدت هيلاري كلينتون له لاحقا في كلمة أمام المؤتمر السنوي للجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (ايباك) واصفة اوباما بأنه «صديق جيد لإسرائيل»، مضيفة:«اعلم أن السناتور اوباما يدرك ما هو التحدي هنا، ولنكن واضحين، اعلم ان السناتور اوباما سيكون صديقا جيدا لإسرائيل».
وكان أوباما قد تعهد خلال تقديمه التهاني ل«سرائيل» بمناسبة احتفالاتها بذكرى اقامتها الستين ب«منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وإبقاء القدس عاصمة موحدة لإسرائيل»، وقال أوباما «دعوني أكن واضحا، أمن إسرائيل مقدس هذا أمر غير قابل للتفاوض ».
وأضاف «أي اتفاق مع الشعب الفلسطيني يتعين أن يحفظ هوية إسرائيل دولة يهودية ذات حدود آمنة معترف بها ويمكن الدفاع عنها وستظل القدس عاصمة لإسرائيل ويتعين أن تظل موحدة»، واصفاً عرى «الصداقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل بأنها«غير قابلة للانفصال».
واوغل اوباما في تاييده ل«إسرائيل« بوصفها بالمعجزة على طريقة ساركوزي، اذ أشاد بما أسماها «معجزة إنشاء إسرائيل»، مستنسخاً تصريحاً للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي أطلق الوصف ذاته خلال زيارته ل «إسرائيل» في مايو 2008، بل اعلن في سديروت:« لو كنت مكان إسرائيل لدمرت غزة»...!
فهل نتوقع يا ترى من اوباما بعد كل هذه المواقف والالتزامات الصريحة بان يغير من السياسات الأميركية تجاه فلسطين والعراق والعرب...؟
في مقابلة مع إذاعة «صوت إسرائيل» أعربت تسيبي ليفني عن ارتياحها من «إن الرئيس الأميركي الجديد، باراك أوباما، يوافق على المبادئ السياسية لإسرائيل«.والواضح ان هذه المواقف والتصريحات تجاه «إسرائيل» وكأنها كتبت بايد إسرائيلية ..
وتبرهن مرة أخرى على مسألة ان المواقف والالتزامات الأميركية تجاه «إسرائيل» انما هي سياسات راسخة فوق الخلافات الحزبية والحملات الانتخابية الأميركية، وان لا احد يتجرأ هناك على ما يبدو على التصريح ضد«إسرائيل» او انتقادها او مطالبتها مثلا بالالتزام بالقرارات والمواثيق الدولية ...!
ونقول في الخلاصة:
طالما انه ليس من المنتظر ان يطرأ تغيير حقيقي وعادل على السياسات الأميركية تجاه فلسطين والعراق والعرب في عهد اوباما كما يتبين من تصريحاته والتزاماته، فالمطلوب اذن- من الفلسطينيين والعرب وعلى نحو عاجل جدا، ان يغيروا هم من اولوياتهم والتزاماتهم الوطنية والقومية، وان يتحركوا هم للضغط على الادارة الأميركية الجديدة قبل ان «تتأسرل» بالكامل، وقبل ان «تتشورن» كما كانت في عهد الثنائي بوش- شارون- قبل جلطة الأخير-...!
كاتب فلسطيني
