ما من منطقة تأثرت بشكل مباشر بسياسات الرئيس الأميركي جورج بوش الابن خلال الثماني سنوات الأخيرة قدر ما هي منطقة الشرق الأوسط وبالتحديد الدول العربية فيها. خلال الثماني سنوات الماضية كان العرب الطرف المجني عليه من جراء سياسات الرئيس الأميركي بوش الابن.

وطوال تلك الفترة لم يكن الرئيس الأميركي قريباً للعرب وطموحاتهم في مواجهة مشاكلهم وقضاياهم الرئيسية بل كان طرفاً مؤججاً لمزيد من المشاكل، وليس العراق ولبنان وفلسطين إلا شواهد بارزة على سير الرئيس الأميركي نحو تيار الانحياز بعيداً عن العرب وقضاياهم.

لكن الحمد لله فإن تلك السنوات العجاف في علاقة العرب بالولايات المتحدة قد شارفت على الانتهاء وأن بوش الابن لن يكون بعد أسابيع قليلة الشخص الذي يدير كفة السياسة الخارجية الأميركية تجاه منطقتنا، فهو مشغول هذه الأيام في حزم حقائبه للخروج من البيت الأبيض وإخراج تركة من الذكريات المريرة أدت به ليس فقط لإلحاق الضرر بشعوب خارج الولايات المتحدة بل أضرت بشعبه وبحزبه الذي ما عاد يلقى التأييد الذي كان يتمتع به في السابق.

الحاضر والمستقبل ما عاد في يد الرئيس جورج بوش الابن وحزبه الجمهوري بل هو في يد رئيس جديد هو باراك أوباما وحزبه الديمقراطي.

لقد تمكن الرئيس أوباما وحزبه من الفوز في الانتخابات الرئاسية بأسلوب مذهل، وتمكن حزبه من تعزيز تفوقه في الكونغرس الأميركي بمجلسيه. جاء هذا الفوز ليقول الأميركيون من خلاله بأنهم قد اكتفوا مما فعله بوش الابن في فترته الرئاسية وإنهم يتطلعون للتغيير الذي يحمله الرئيس الجديد باراك أوباما وحزبه الديمقراطي.

في خضم كل ذلك تصبح منطقتنا العربية أكثر المناطق اهتماماً بما يحدث في الولايات المتحدة باعتبارها متأثرة بشكل كبير بما يحدث هناك. لكن الواضح بأننا في العالم العربي ما زلنا كما كنا لا نتبع إستراتيجية مبكرة من أجل أن نكسب الرئيس الأميركي إلى جانبنا.

فما زالت الدول العربية تعلن عن تحفظها وما زال الكثير من سياسيها يؤمنون بأن شيئاً ما لن يتغير في السياسة الخارجية الأميركية تجاه العرب وقضاياهم. هذه النظرة المتشائمة وللأسف الشديد هي عنوان واضح على أن العرب لا يودون أخذ زمام المبادرة في الوصول إلى باراك أوباما ومازالوا ينتظرون أوباما أن يحدد سياسته وإستراتيجيته في التعامل مع العالم العربي.

أي ما زلنا متلقين لما تفعله واشنطن ولسنا مبادرين في التأثير على الإدارة الأميركية، وهذه وبأبسط الكلام ليست إلا معادلة واضحة وصريحة إلى أن العرب سيخسرون أوباما لصالح أطراف أخرى لا تقف متلقية بل نراها مبادرة في التأثير والتقرب إلى الرئيس الأميركي حتى قبل أن يصل إلى البيت الأبيض.

باراك أوباما هو فرصة العرب الحالية للتعامل مع قضاياهم بجدية أكثر لأنه شخص حمل راية التغيير، أي تغيير السياسة الأميركية بما فيها السياسة الخارجية الأميركية من شكلها الذي جاء بها الرئيس بوش الابن إلى سياسة جديدة تحاول أن تركز على الدبلوماسية والحوار كأسلوب لتحقيق مصلحة الولايات المتحدة وتحقيق الأمن والاستقرار الدوليين.

هذا ما يجب على العرب أن يدركوه أولاً وقبل كل شي، وإذا ما لم نؤمن بأن الفرصة سانحة أمامنا للتأثير على الرئيس الأميركي الجديد وإذا ما بقينا نتعذر باللوبي الصهيوني ونتحدث بلهجة سياسة المؤامرة وغيرها من الأمور المبررة لتعاستنا فإن المعادلة ستنقلب ضدنا ولن نحقق شيئاً يذكر في سبيل خدمة قضايانا العربية.

فكي لا نخسر أوباما علينا كخطوة أولى أن ننطلق بفلسفة التفاؤل والدعم للرئيس الأميركي الجديد بأن التغيير هو بالفعل الأمر المطلوب في السياسة الخارجية الأميركية تجاه القضايا العربية لتحقيق المصالح الأميركية والعربية المشتركة، وأن استمرار الوضع على ما هو عليه لن يحقق شيئا من الفائدة على الطرفين. فالإيمان بالتغيير هو أول خطوة نحو تحقيق التغيير.

تلك الخطوة لابد وأن تعزز بخطوة أخرى تتمثل في قيام القادة العرب بدخول حلبة التسابق مع رؤساء دول العالم الأخرى ليكونوا أول الرؤساء الزائرين للرئيس الأميركي الجديد في البيت الأبيض عندما يدخله في يناير المقبل.

لكن هذا ما لا نجده يحدث، ففي الوقت الذي يتسابق فيه رؤساء العالم ليكونوا أول الزائرين للبيت الأبيض في حلته الجديدة لا نسمع عن رغبة عربية في الدخول في ذلك السباق وبالتالي فإننا وللأسف نترك الباب للغير كي يصل هناك قبلنا؛ ولعمري أن المسؤولين الإسرائيليين سيكونون من بين أوائل المسؤولين الكبار الذين سيشدون رحالهم نحو زيارة البيت الأبيض والاجتماع بالرئيس الجديد باراك أوباما، في حين أن القادة العرب سيظلون بعيدين وكأن الرئيس الجديد لا يعنيهم! مثل هذا الأمر لا يمكن أن يخدم العرب في كسب أوباما لجانبهم.

فالعرب بحاجة إلى أن يكونوا من بين الأوائل الذين يصلون إلى البيت الأبيض ولو كان ذلك على شكل لجنة رئاسية من الجامعة العربية تتكون من ثلاثة رؤساء وقادة عرب يجتمعون بالرئيس الأميركي الجديد ويعرضون عليه وجهات نظرهم وما يأملون من الرئيس الأميركي الجديد فعله تجاه المنطقة العربية.

وحتى قبل ذلك يمكن للمسؤولين العرب من وزراء خارجية ومسؤولين آخرين التسابق للاجتماع بالرئيس الجديد في الفترة الحالية قبل أن يؤدي اليمين الدستورية في يناير المقبل من أجل شرح وجهة النظر العربية وما يتمنوا من الرئيس الجديد للولايات المتحدة أن يقوم به. هذه هي الدبلوماسية العربية المطلوبة من أجل كسب ود الرئيس الأميركي.

ولا عيب في ذلك فالدبلوماسية هي عملية تهدف لتحقيق المصلحة الوطنية للدول ومصلحتنا العربية هي أن لا نخسر أوباما لجهات تنشط دبلوماسياً أكثر منا.

فهذه هي فرصة العرب الثمينة لكسب رئيس أكبر دولة في العالم وذات تأثير كبير على حياتنا اليومية. فليكن شعار باراك أوباما نحو التغيير حافزاً لنا كي يتواجد دبلوماسيونا وبقوة في شيكاغو حيث الرئيس المنتخب يقضي أيامه الحالية قبل الانتقال إلى البيت الأبيض ومن ثم الذهاب إلى واشنطن للضغط من أجل كسب ولو تعاطف واشنطن مع قضايانا.

جامعة الإمارات

binhuwaidin@hotmail.com