سارع الكثير من أرباب المناصب السياسية، خصوصا في بلداننا العربية، إلى ترديد قول واحد، بصيغة واحدة وكأنهم على اتفاق على ترديده؛ وهو أن (للسياسة الأميركية استراتيجية لا تختلف باختلاف الرؤساء).
وهو اتفاق منهم على اختزال الحقيقة العامة، وهروب من تشخيص الحالة الأميركية الجديدة، وهو جهل بما يمكن أن يقوم من تحولات نتيجة وصول شخص مثل باراك أوباما إلى قيادة العالم من خلال موقعه كرئيس لأقوى دولة في العالم.
جزء مما يذهبون إليه بكون استراتيجية الولايات المتحدة مرسومة ومحددة المعالم، وليس للرئيس أن يخترق تكوينها بما يشاء، فيه شيء من الصحة، وليس كل الصحة. فلشخصية الرئيس وتكوينه الثقافي وفلسفته ومزاجه الشخصي وعلاقاته الشخصية، ووضعه الاجتماعي وتاريخه السياسي، دور فاعل ومؤثر في القرارات التي سيتصدّى لها لتحقيق برنامجه العام.
لقد غيّر جورج دبليو بوش بسياسته الخرقاء معالم الاستراتيجية الأميركية، ووضع العالم على حافة مجموعة من المشاكل العسكرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي غيّرت ملامح العالم، ووضعته أمام ظروف أدّت إلى خسائر لا يمكن تعويضها.
إذن؛ مع الرئيس باراك حسين اوباما ذي الشخصية التي تسحب وراءها مجموعة دقيقة من الحقائق، من حيث كونه أول رئيس أسود يدخل البيت الأبيض، وكونه يقود شباب الحالمين بحلم مارتن لوثر كينغ، ومن كونه يحمل رصيدا تاريخيا ضخما من معاناة السود والفقراء، ومن معرفته المباشرة بما يدور في دهاليز السياسة الأميركية.
وتصوره لمستقبل أميركا، وحلمه بالتغيير الذي كان شعار حملته الانتخابية التي جاءت به إلى البيت الأبيض؛ كل هذا يدعونا إلى إعادة النظر بتأمل وأناة إلى ما يمكن أن يأتي به الرجل من مبادرات ومعالجات لقضايا العالم، استنادا على شخصيته القوية وكفاءته السياسية، ضمن استراتيجية الولايات المتحدة.
فليس من المعقول أن ينظر باراك اوباما إلي الوضع الإفريقي مثلما ينظر إليه أي زعيم أوروبي، إنه ابن هذه البيئة المستعصية على الحلول، ولكن اوباما سيستدعي خبرته الذاتية بهذا الشأن ويضعها في إطار الاستراتيجية، ويسعى إلى علاجها. ولن يكون مسعاه خارج عاطفته وتعاطفه الطبيعي مع هموم إفريقيا الرازحة تحت وطأة الفقر والجهل والمرض. كما لا يمكنه غض النظر عن هارلم وتعاستها؛ وربما دغدغه الدم الإسلامي فنظر إلى واقع المسلمين بدافع هذه العاطفة، وسعى إلى التعاطي معها على غير ما تعاطاه سواه.
والغريب أن بعض المسؤولين الأميركيين الكبار، مثلما هو الشأن مع الكثير من سياسيينا، ما زالوا يلوكون عبارة (الاستراتيجية لا تتغير بتغيّر الرئيس، وما يتغير هو الشكل الفني).
بل تتغيّر، بعوامل التركيبة الثقافية والعاطفية والإنسانية، والخبرة التاريخية للرئيس الجديد.
وعلينا، نحن، أن نتخلّى عن التعميمات الجاهزة، ونراجع أوراقنا، ونحسب حسابا لما نحن فيه من متغيرات جاءنا بها باراك حسين اوباما، ونتصفح ما يمكن أن يسعفنا به وجوده من حلول لمشاكلنا التي ستكون من جملة همومه.
ما الذي سيبقى لنا من تجاوز (الاستراتيجية الأميركية) التي يعرفها الجميع غير النظر والتدقيق بخصائص شخصية القائد الجديد لقوى العالم في كتاب اللغة الروسية، في الحقبة السوفييتية، كنا نقرأ: «ليس هناك أبطال يصنعون التاريخ، وإنما هناك تاريخ يصنع أبطالا».
أين سنضع باراك اوباما!
لست متشائما من كون الرجل ذي المنابع الثقافية المتعددة قادرا على الوصول إلى ما يحقق لنا بعض ما نصبو إليه. ويبقى علينا أن نعيد صياغة مواقفنا ضمن الشروط الجديدة التي تواجه العالم في عهده الجديد، وأن نحضُر بواقعنا وحقيقتنا وتاريخنا للوقوف في صف التغيرات المنتظرة.
باراك اوباما قلب المقاييس المألوفة في الولايات المتحدة، وأتاح لنا ولغيرنا أن نقلب المقاييس في بلادنا. فما الذي ننتظر وفينا من الهم التاريخي والحقوق المؤجلة ما تنوء به الجبال ولكنني متشائم من عدم كفاءة سياسيينا في استيعاب حركة التاريخ، ولنا من معالجة قضايانا بأسلوب ساذج، متخلف، غير قادر على فهم دورة الحياة الجديدة، ما يبعث على التشاؤم. وليتني على خطأ.
كاتب عراقي