تغلب الخوف من أزمة داخلية على الخوف من أزمة دولية. تغلب الانشغال بالوضع الاقتصادي في البيت الأميركي على القلق من تداعيات حرب أو نزاع خارجي. كسبت تداعيات وول ستريت على تداعيات القوقاز في سباق المخاطر الذي انطلق هذا الصيف، فانتصر أوباما على ماكين في السباق الانتخابي الذي كلفهما سوية أكثر من مليار و500 مليون دولار.

انتخابات الرئاسة الأميركية هي بامتياز انتخابات عالمية كما عكسها انشغال الإعلام العالمي ومواكبته لهذه الانتخابات. وليس ذلك بمفاجئ طالما ان نتائج هذه الانتخابات ايا كان موقف هذا الطرف الخارجي او ذاك منها تؤثر في كافة أرجاء العالم ايا كان حجم التغيير او مداه او حتى عدم وجود تغيير من خلال النتائج.

اوجد الرئيس بوش التي وصلت شعبيته الى الحضيض في وضع لم يسبقه اليه أي رئيس أميركي ولا حتى الرئيس نيكسون قبل خروجه او إخراجه من البيت الأبيض، اوجد مفارقة مثيرة. ففي بداية عهده وتحديدا غداة 11 سبتمبر كانت أميركا جريحة وخائفة ولكنها قوية، أرادت ان تغير العالم وتجعله على صورتها، وفي نهاية عهده صارت اميركا مخيفة وجارحة وضعيفة او متراجعة ويريد العالم ان يغيرها او ان تتغير عبر انتخاباتها الرئيسية وقد وصلت صورتها عالميا الى الحضيض.

باراك أوباما هو الرجل المناسب فهو الرئيس الأكثر عولمة في خلفيته ونشأته وفي ما اكتسبه من تجارب خلال تلك النشأة في عالم يزداد عولمة كل يوم. مع أوباما انتصرت رغبة التغيير على الخوف منه. كما ان انتخابه يمثل في جانب ما نوعا من طلب الغفران الذاتي الوطني بالنسبة للبيض من جهة ونوعا من التحرر الداخلي من ثقل الإرث العنصري عند السود من جهة أخرى.

انتخاب اوباما يشكل أيضا نوعا من الثورة المضادة للثورة المحافظة، الثورة الريغانية التي انطلقت في الثمانينات او ثورة الحرية المطلقة للرأسمالية المالية والترشيق الكبير او التقييد الضاغط لدور الدولة.

أوباما يقول انه يشبه الرئيس الأسبق ريغان في ان كل منهما يمثل ثورة تحولية ولو أن كلا منهما ذهب في اتجاه مختلف. ولكن اوباما ليس ليبراليا في المفهوم الأميركي او يساريا في المفهوم العالمي، بل هو قاد حملته في الوسط. مثل فرانكلين روزفلت جاء اوباما لينقض الرأسمالية وليس ليدمرها. فالرأسمالية مثل الفردية والدين قيمة أساسية راسخة في منظومة القيم المجتمعية في الولايات المتحدة. لكن المطلوب كما يقول اوباما هو إعادة دور الدولة الناظمة والراعية والضامنة في المجتمع.

يقول اوباما ان التحدي أمام الرئيس المنتخب هو دفع أميركا في اتجاه جديد يوجه رسالة واضحة للعالم ان أميركا لم تعد معنية بالصدام والأحادية والايدولوجيا، ثلاثية السياسة البوشية لفترة سنوات ثماني. ويدعو الى استبدال تلك الثلاثية بخلق شراكات حول العالم لتسوية المشاكل العملية. الاتجاه الجديد حسب اوباما يعني عودة الدبلوماسية والواقعية الى السياسة الخارجية والعلاقات مع العالم.

ولا يعني ذلك غياب احتمالات التوتر والصدام والخلاف واللجوء الى الحزم في إطار السياسة الأميركية ولا يعني بالطبع إحداث قطيعة مع ثوابت وأولويات سياسية ثابتة ولكن سيعني دون شك إحداث قطيعة مع مقاربات وأساليب سياسية خارجية سادت منذ مطلع الألفية.

انها دون شك عودة الى سياسة الانخراط والى اعتماد مفاهيم «القوة الذكية» أي خليط من القوة الصلبة والقوة اللينة والى السياسة التجريبية البعيدة عن القوالب العقائدية التي عادة ما تشل او تفشل السياسات الخارجية.

عودة الدبلوماسية تعني ايضا عودة السياسات المتعددة الأطراف والعودة الى الأمم المتحدة في ملفات أساسية بعدما ابتعدت عنها واشنطن كليا أو وبعدما شاركت فيها رمزيا.

يعني ايضا العودة الى التعاون والشراكة مع الأصدقاء والانفتاح على الخصوم والاعتراف والقبول بان العالم تغير بالفعل وان هيكل القوى الدولي معقد وحامل لكثير من القدرة على مناهضة سياسات أميركية وإفشال أخرى من جهة وضاغط للتعاون وموفر لفرص كبيرة لهذا الأمر وقادر على تعطيل الأجندات الأحادية من جهة أخرى.

أمام الرئيس الجديد جدول تحديات كبير تحدد أولوياته المخاطر التي تشكلها هذه التحديات والمخاوف من عدم النجاح او من التباطؤ في احتوائها، للتذكير ستكون الأزمة المالية العالمية وحاجة واشنطن الى التعاون مع القوى الاقتصادية القديمة والصاعدة والى تغيير مقاربتها للرأسمالية المالية في طليعة هذه التحديات وهي تتواكب ايضا مع تحد داخلي في أحداث سياسات اقتصادية واجتماعية جديدة في الشأن الضريبي وفي شأن تجديد وتمكين الاقتصاد الصناعي الأمريكي.

ثم ستكون أفغانستان ومعها باكستان هذه المرة في طليعة التحديات الدولية نظرا لتداعياتها التي تصل بقوة الى شواطئ البحر الأبيض المتوسط وكيفية إيجاد مقاربة شاملة تقوم على فهم التركيبة المجتمعية والتوازنات الداخلية والإقليمية التي تحكم الوضع في البلدين. ثم بالطبع هنالك إيران وقد وعد اوباما بانتهاج سياسة انخراط تجاه القوة الكبرى الإقليمية في الشرق الأوسط.

وفي تقديري ان هنالك فترة من الهدوء واستكشاف مواقف الآخر والمقاربة غير المباشرة تجاهه الى حين الانتخابات الرئاسية في إيران في شهر يونيو المقبل، وستكون عنوان تلك السياسة التهدئة ولعبة الإشارات الايجابية المتبادلة. ثم يأتي العراق وقد رفع اوباما شعار الانسحاب التدرجي مع جدول زمني لذلك مما يساعد على خفض الاحتقان القائم ودفع الأطراف الداخلية الى إعادة النظر في مواقفها. كما يساعد على ذلك مقاربته القائمة على الانخراط تجاه خصوم الولايات المتحدة مما يفترض ان يساهم في تسهيل سياسة الاستقرار في العراق والانسحاب منه.

وفي الشأن الفلسطيني بالطبع ستكون هنالك مواقف للإدارة الأمريكية الجديدة تؤكد على دفع عملية السلام ولكن ذلك سيبقى محكوما بالوضع الداخلي في كل من فلسطين وإسرائيل وستكون محكومة بقدرة الملفات الأخرى المذكورة على إشغال واشنطن بها مما قد يدفع الى سياسة إدارة النزاع ولو في مرحلة أولى بدل الولوج في تسويته.

رغم ذلك تمتلك الإدارة الجديدة الرغبة في تسوية هذا الملف. كما تمتلك نظرة واقعية لطبيعة هذا الصراع وحقيقته وبالتالي شروط تسويته تختلف قطعا عن نظرة الإدارة السابقة الأيديولوجية لطبيعة هذا الصراع ولكيفية التعامل معه.

ثم هنالك دون شك العالم خارج الشرق الأوسط الذي أما تجاهلته إدارة بوش كما حصل مع الصين الشعبية او استفزته كما حصل مع روسيا او همشته كما كانت الحال مع الحليف الأوروبي او تناسته كما اتسمت العلاقات مع أميركا اللاتينية.

ويبدو من العديد من تصريحات «المرشح» أوباما ومن مواقفه السابقة انه سيعطي أولوية لصياغة علاقات تعاون مع الصين الشعبية ولمقاربة أكثر واقعية تجاه روسيا الاتحادية ولتنشيط الشراكة مع اوروبا وللعودة للاهتمام بأميركا اللاتينية.

مع اوباما سنشهد العودة الى «أميركا الطبيعية» في صداماتها وخلافاتها وصداقاتها وتحالفاتها وفي علاقاتها وشراكاتها ومقارباتها للقضايا الدولية بعيدا عن أميركا المتوترة بأحاديتها المتعالية بسياساتها والجامدة بقوالبها الإيديولوجية التي انكسرت بالأمس.

كاتب لبناني

hitti@wanadoo.fr