تأتي زيارة وزيرة الخارجية الاميركية كوندليزا رايس الى المنطقة في الوقت الضائع بعد انتخاب «أوباما» رئيساً جديداً للولايات المتحدة الاميركية ، وفوز الحزب الديمقراطي بأغلبية مجلسي الشيوخ والنواب ، وترحيب أميركي وعالمي حار بهذا الفوز الذي وضع نهاية للحقبة البوشية.

ومن ناحية اخرى ، فان كافة الاطراف على اقتناع بأنها لن تحقق شيئاً ، وانها اقرب الى زيارة وداع للمنطقة ولأصدقاء رايس ، وجاءت تصريحات البيت الابيض لتؤكد هذه الحقيقة ، اذ اعتبرت ان تحقيق التوصل الى اتفاق قبل نهاية العام الجاري غير مرجح ، وهذا في حد ذاته اعتراف بالفشل ، واعتراف أيضاً بأن زيارة وزيرة الخارجية محكوم عليها بعدم النجاح ، وتأتي في باب «لزوم ما لا يلزم».

هذه النتيجة التي اعترف بها البيت الأبيض ، اعترفت بها رايس خلال محادثاتها مع الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي ، ولو كان اعترافاً موارباً ، حينما اعتبرت ان عدم الوصول الى خط النهاية ليس فشلاً.. ما دام الاسرائيليون والفلسطينيون التزموا بمواصلة المفاوضات.. وهذا في حد ذاته قد يكون المبرر الذي حاولت به تغطية فشلها الذريع ، بعد قيامها بتسع عشرة زيارة كانت نتيجتها اتساع شقة الخلاف بين الطرفين.

ان المتابع للمفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي ومنذ مؤتمر انابوليس في تشرين الثاني 2007 ، يجد أن الادارة الاميركية لم تقم بدورها الحقيقي في الزام حليفتها اسرائيل بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية ، والالتزام بالمعاهدات والاتفاقات التي وقعت عليها.

ولمزيد من الايضاح لا بد من الاشارة الى ارتفاع وتيرة الاستيطان في عهد حكومة اولمرت الى اكثر من الضعف ، وفقا لاحصاءات منظمة «السلام الان» الاسرائيلية ، اذ تم بناء اكثر من «4887» وحدة سكنية ، %92 منها في المستعمرات المحيطة بالقدس العربية المحتلة ، كما استمرت سلطات الاحتلال ببناء جدار الفصل العنصري ، وتشديد الحصار على قطاع غزة ، وانتهاك حرمة المسجد الاقصى وكنيسة القيامة ، واطلاق يد رعاع المستوطنين ليمارسوا احقادهم في منع المزارعين من قطف ثمار الزيتون .. الخ..

ورغم الاحتجاجات الفلسطينية والعربية والدولية ، الا ان اسرائيل استمرت في تحديها للقانون الدولي وانتهاك اتفاقية جنيف الرابعة.

لقد جاءت زيارة بوش لاسرائيل ، وخطابه التوراتي في الكنيست ، لتصب في صالح مخططات سلطات الاحتلال حينما دعا الى ضرورة الاعتراف بالامر الواقع ، وهذا في حد ذاته يذكرنا بلاءاته الثلاث التي ضمنها وعده المشؤوم الى شارون في نيسان 2004 «لا عودة لحدود الرابع من حزيران ، لا لعودة اللاجئين ، لا لعودة القدس مقسمة».

ان زيارة رايس غير المبررة للمنطقة ، تجسد فشل الادارة الامريكية في تحقيق ما وعدت به بالوصول الى اتفاق قبل نهاية العام الحالي ، وتؤكد انحياز هذه الادارة لاسرائيل ، ما يشكل ادانة لسياسة بوش والمحافظين الجدد المتصهينين ، الذين حالفوا الاحتلال ومجرمي الحروب ، ومرتكبي المذابح امثال شارون على حساب حق الشعب الفلسطنيي في تقرير مصيره واعلان دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف على ترابها الوطني.

مجمل القول: ان زيارة رايس للمنطقة ، تجسيد لفشل الادارة الاميركية في تحقيق ما وعدت به ، وادانة لسياستها المنحازة بالكامل لاسرائيل ، والتي كانت السبب الرئيس لتعنت الحكومة الاسرائيلية ، ورفضها الالتزام بقرارات الشرعية الدولية ، واصابة عملية السلام بالشلل بشكل كامل.