فوز باراك اوباما برئاسة الولايات المتحدة مليء بالدلالات التي تصل لدى الكثيرين إلى حد اعتباره ثورة. لقد وصفت الانتخابات الرئاسية الأميركية هذه ب«التاريخية»، والفوز استدعى بالضرورة فصلا قديما في تاريخ الولايات المتحدة الحديث هو ذاك المتعلق بنضالات الأميركيين الأفارقة ضد التفرقة العنصرية التي كانت مشرعنة بقوانين في بعض الولايات الأميركية.

ولعل هذا التداعي للتاريخ هو ما اسال دموع القس جيسي جاكسون الذي تذكر حتما معلمه مارتن لوثر كينغ الذي اغتيل في العام 1968. ان تفحص وجوه الجمهور المنتشي بفوز اوباما يفصح بجلاء عن جيل شاب من الأميركيين من الأفارقة والبيض، فيما جمهور ماكين المحبط كان في الغالب من الأميركيين البيض من كبار السن.

لا تفوت مثل هذه الدلالات الكثيرين واوباما وحده يشكل اختراقا للتقاليد الراسخة في السياسة الأميركية. إفريقي ولد مسلما وتحول إلى المسيحية وعائلته لا تزال في موطن والده الأصلي (كينيا) وشاب في السابعة والأربعين من العمر، وكذلك هو جمهوره.

إن الفوز الذي يكسر مقاييس سائدة يستثير الحماس حتما، وهو حماس تجاوز حدود الولايات المتحدة ليصل إلى الأجيال الشابة من الأوروبيين الذين هللوا للفوز مثلما هللت له شعوب أخرى في العالم بأشكال متفاوتة.

هكذا إذا انتعشت الآمال داخل أميركا والعالم، ومفردة «التغيير» خلابة للغاية وترفع المعنويات التي حطمتها 8 سنوات من حكم إدارة مكارثية لم تعرف سوى إشعال الحروب وتسويقها بالأكاذيب الفاضحة لتتوج أخر عام في حكمها بأكبر كارثة مالية تصيب الولايات المتحدة والعالم منذ أزمة الكساد الكبير عام 1929. هكذا لم يعد «التغيير» نوعا من الترف أو دعاية انتخابية بل اقترب من أن يكون ضرورة.

محصلة السنوات الثماني الماضية من حكم جورج دبليو بوش جاءت لتحطم منجزات ثماني سنوات من حكم إدارة كلينتون الديمقراطية. لقد كانت سنوات حكم كلينتون الثماني سنوات ذهبية للولايات المتحدة والعالم.

فما سمي خطة تحرير العراق كانت موضوعة على طاولة كلينتون لكنه لم يكترث بها، وفي عهده وصل النمو الاقتصادي الأميركي إلى معدلات غير مسبوقة وخلقت ملايين الوظائف وتوج عهده باكتشاف علمي مذهل هو اكتشاف خريطة الجينات البشرية.

ثم جاء بوش وبدأ عهده بكارثة تشبه كارثة بيرل هاربر هي اعتداءات 11 سبتمبر 2001. لكن في غمرة الاندفاع نحو الحرب وإطلاق مكارثية الألفية الثالثة للميلاد ينسى الكثيرون أن دراسة أجراها مسؤولون سابقون غالبيتهم من الجمهوريين اسميت «مشروع القرن الأميركي الجديد ؟

إعادة بناء دفاعات أميركا» التي انجزت في العام 2000 ودعت في النهاية إلى أن «عملية التغيير المطلوبة ستكون بطيئة جدا بغياب أحداث كارثية جوهرية بحجم كارثة بيرل هاربر».(راجع مقالنا «من جديد 11 سبتمبر وبيرل هاربر»، البيان 15 سبتمبر 2007).

لقد جاءت الهدية المطلوبة لكي تسرع في «عملية التغيير المطلوبة» وفق منظري دراسة مشروع القرن الأميركي ويكفي استعراض الأسماء لكي نرى ما إذا كان رسم التاريخ وخوض الحروب مجرد ردود فعل أم خططا مرسومة بعناية وإصرار: ديك تشيني ودونالد رامسفيلد، جيب بوش وبول ولفووتز.

مهمة أوباما صعبة للغاية لأنه سيرث سجلا مليئا بالإخفاق وجيش متورط في حربين منهكتين. أما الأزمة المالية الكبرى فهي تحد آخر وإن كان مجيء إدارة جديدة يمكن أن ينعش الآمال قليلا.

أوباما محاط بالآمال والآمال فقط، وعندما تأتي الحقائق سيتغير الأمر كثيرا لكن لا أحد يدري حتى الآن إلى اي مدى، فالتغيير يستوجب ارادة قوية لإحداثه، وهذا ليس سهلاً بل هو خطير في بلد مثل الولايات المتحدة.

ومن الواضح ان اوباما يدرك تماما الأعراض الجانبية للتغيير وأثمانه الباهظة احيانا، وهذا واضح من ميله للتسويات ومحاولة تحقيق انسجام ووحدة بحدود معينة بين ادارته الديموقراطية والجمهوريين عبر التلميح إلى إبقاء بعض المسؤولين في ادارة بوش الحالية في مناصبهم أو الاشارة إلى الاستعانة بجمهوريين في تعيينات مستقبلية.

لقد احيط فوز جون كيندي بالرئاسة باجواء شبيهة بالتي تسود الآن مع فوز اوباما، وكان كيندي عازما على التغيير واظهر من الاصرار ما يكفي، لكنه انموذج كيندي وامثولته تظهر ان التغيير احيانا قد يكون محفوفا بالمخاطر، لان ضحايا التغيير المفترضين سيقاومون حتما ايا كانوا.

لكن التغيير الذي يتحدث عنه اوباما يستقبل خارج الولايات المتحدة بمعنى آخر وخصوصا هنا في منطقتنا العربية. فأكثر ما عبر عنه العرب على مستويات عدة الآن حيال قبل فوز اوباما وبعده هو التمني. التمني بان يقدم شيئا للقضايا العربية، ان يتخذ مبادرات حيال الفلسطينيين والعراق ويعمد إلى تسوية سياسية في الملف النووي الإيراني.

لكن يغيب امر واحد اساسي عن العرب هو ان التغيير المنتظر لن يأتي إلا إذا انتزعه العرب انتزاعا، فلا شيء في السياسة والعلاقات الدولية يأتي بمبادرة من الآخرين أو عن طيب خاطر. لن تتغير السياسة الخارجية الأميركية حيال الصراع العربي الإسرائيلي ما لم يفرض الفلسطينيون والعرب ضرورة لهذا التغيير المنتظر. ولن يتغير الأمر في العراق ما لم يفرض العراقيون والعرب ما يريدونه بالضبط على الأميركيين.

ولعل دعوات الأميركيين والبريطانيين للدول الخليجية مؤخرا بأن تستثمر أموالها في الولايات المتحدة وبريطانيا وتسهم في انعاش الأسواق المنهكة بفعل الأزمة المالية فرصة مؤاتية لفرض التغيير الذي يريده العرب على السياسة الخارجية الأميركية والغربية عموما وهم في كل الأحوال لن يخسروا شيئا بل سيكسبون الكثير إذا ما ضغطوا من أجل هذا التغيير لقاء أموالهم التي يطلبها الغربيون الآن لتشحيم وتحريك عجلات اقتصاداتهم.

m.alobaidley@gmail.com