هناك الكثير من الممارسات والمظاهر الخاطئة والمخالفات الصريحة في القطاع الصحي الخاص بالدولة، آخرها ما كشفت عنه الصحف المحلية يوم أمس من أخبار. الخبر الأول عن نتيجة تحليل طبي أجراه مختبر عالمي يعمل في الدولة لمواطنة لم تتجاوز العشرين عاما، قامت بفحص دمها وأخبرها المختبر أنها مصابة بالإيدز.
وقد كاد الخبر أن يؤدي بالفتاة إلى الانتحار لولا رحمة الله التي أثبتت بشكل قاطع خلوها من مرض الإيدز بعد أربعة فحوصات أجريت بطرق علمية مختلفة في مستشفى عجمان التخصصي التابع لدائرة البلدية والتخطيط. أما الخبر الثاني فهو عن عاملين يديران صيدلية رغم أنهما غير مرخصين وليس لديهما أي مؤهل لممارسة هذه المهنة، فأحدهما عامل نظافة والآخر بائع عطور.
الخبران اللذين ذكرناهما ما هما إلا أمثلة في قائمة طويلة من الممارسات والمخالفات التي تشكّل في مجملها صورة ذهنية سلبية عن مستشفيات القطاع الخاص وصيدلياته في الدولة التي تتراجع أكثر بثقة المريض وتعزز شكوكه تجاه القطاع الصحي بصفة عامة وسط الفوضى الصحية العارمة التي تواجهه.
كما يؤكد الخبران على أن ممارسة الطب والصيدلة في الدولة تنطوي على مخالفات عديدة يتركّز معظمها في القطاع الخاص الذي بات للأسف يتلاعب بصحة المرضى ويعرضها لمخاطر يبقى الواحد منهم في غنى عنها لاسيما والقطاع الطبي الخاص يستنزف جيبه وحساباته من شركات التأمين التي أصبحت مسوغا لتلاعب هذا القطاع بنتائج التحاليل ولتبرير أخطائه في التشخيص.
ولو كانت هذه المخالفات تحدث بشكل نادر لما أثرنا الأمر كقضية مؤرقة باعتبار أن الخطأ الطبي وارد في أي مستشفى ولدى أي طبيب، لكن تكرار أخطاء التشخيص ونتائج التحاليل هذه، أو تلك التي تتحدث عن اتخاذ الطب أو الصيدلة مهنة لمن لا يمت لها بصلة يجعلنا نؤكد على أن موقف الجهات الحكومية المعنية لا يزال سلبياً تجاه مثل هذه المخالفات.
وبغض النظر عن مبرّرات وزارة الصحة وأية جهة طبية مسؤولة في الدولة للأخطاء الطبية والمهنية، فلابد من التأكيد على واقع الحال، وما يعانيه المرضى لا يمكن اعتباره وهما أو أمراً هينا يمكن تجاوزه، والأكثر أن هذه الممارسات والتجاوزات جعلت وزارة الصحة والهيئات الصحية في الدولة تتحمل جزءا من مسؤولية وقوع المرضى ضحايا للقطاع الخاص في الدولة.
أو اضطرارهم للعلاج في الخارج بعد تراجع ثقتهم بالمستشفيات الحكومية وبسبب عدم تحقيقها طموحاتهم مرضى يطالبون بأبسط حقوقهم في رعاية صحية متميزة يثقون بها دون أن يلجأوا إليها بقلوب ملؤها الشك والخوف.
إن ممارسة الطب والصيدلة في الدولة تنطوي على مخالفات عديدة يتركّز كثير منها في القطاع الخاص، ويبدو أن الإجراءات المتخذة حتى الآن والغرامات المفروضة لم تعد كافية وبحاجة إلى مرحلة جديدة ترسى فيها معايير وشروط ومتطلبات فنية وبشرية وأخلاقية صارمة.
وتتطلب وجود أجهزة رقابية وتفتيشية دقيقة وفاعلة لا تترك مجالا لهذا النوع من الأخطاء والتجاوزات لتتسع وتنتشر بصورة اكبر في دولة الإمارات التي باتت محطّ أنظار العالم بإنجازاتها في كل المجالات لكنها مازالت بحاجة لجهود كبيرة تستطيع من خلالها الارتقاء بالمجال الصحي ليس في القطاع الحكومي فحسب بل في الخاص أيضاً الذي لا يمكن استثناؤه باعتبار أن الدولة ترخص له العمل وتقدم له كل الدعم ليكون شريكا حقيقيا لا قاتلا مع سبق الإصرار والترصد.
