قيل الكثير عن الأزمة المالية التي تهزّ العالم اليوم، وعلى الأغلب غدا. وقيل إنّها غيّرت الكثير في المشهد الاقتصادي العالمي وإن الرأسمالية المالية قد سقطت والأيديولوجية الليبرالية قد أصبحت من متاع الماضي. بل ولم يمر يوم تقريبا دون أن يتم الإعلان عن موت الرأسمالية وأن مرحلة جديدة تنتظر البشرية.
مثل هذه المقولات تدفع إلى الذهن ما كان قد بشّر به، لكن في الاتجاه المعاكس، المفكر الأميركي ذو الأصل الياباني فرنسيس فوكوياما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ومنظومته الاشتراكية عام 1991. لقد قال يومها ان «التاريخ قد انتهى» وان الرأسمالية قد انتصرت مرّة واحدة وإلى الأبد.
لا شك أن الأزمة المالية التي انطلقت من «العرين» الليبرالي الأميركي قد هزّت القناعات، وقبلها المواقف، إذ رأينا العديد من رؤوس الدول وأصحاب القرار الذين كانوا حتى الأمس القريب من أكثر المعجبين بالموديل الأميركي بسبب ما يؤمنّه تحديدا من الحريّة الاقتصادية، بعيدا عن تدخل الدولة، قد تراجعوا اليوم كي يطالبوا بتعزيز دور هذه الدولة في مجمل العملية الاقتصادية كي تؤمّن استتباب النظام.
بل لم يتردد بعض المسؤولين الأوروبيين في التصريح جهارا أنه لابد من الخروج من الرأسمالية المالية بنسختها السائدة اليوم للبحث عن آليات جديدة تحكم النظام المالي العالمي، كما أشار رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون.
وكان الرئيس الفرنسي نفسه قد تحدّث ذات يوم قريب عمّا أسماه «انحرافات الرأسمالية المالية». تلك الموجة من أشكال المطالبة بالتغيير الجوهري وصلت إلى أوجها في المرحلة الأولى بعد انفجار الأزمة حيث كان الأفق ينبئ أن انقلابات محتملة تلوح في الأفق، بما فيها الانهيار الكامل للمنظومة المالية بكل مؤسساتها.
لكن الموجة خفّت حدّتها بالتدريج أمام المطالبة بصون «الثوابت» وفي مقدمتها واقعيا «إنقاذ» إمبراطورية المال التي أبعدت الرأسمالية نفسها عن مفاهيم الاقتصاد الحقيقي وعن أي حس بالعدالة. لم تكن الأصوات المنذرة بالأزمة قليلة لكن القائمين على هذه الإمبراطورية تجاهلوها وظلّوا على «ثوابتهم» فانفجرت.
ومن الملفت للانتباه هو أنه ليس هناك من بين القادة المسؤولين بشكل مباشر عن اندلاع الأزمة من يعترف أنه قد «أخطأ» ؛ وكأنها فيروس وافد من الخارج أصاب المنظومة المالية «السليمة». بل وترتفع منذ فترة أصوات تكرر نفس الخطاب الذي كرره حرّاس هيكل الرأسمالية المالية لسنوات طويلة ورددته وسائل إعلامهم النافذة. وعلى مدى ثلاثة عقود تقريبا كان خطابا مسيطرا، مطلقا، عشوائيا، لا يقول بأية قيمة سوى المال.
الملفت للانتباه أيضا هو أنه ليس بين المسؤولين السياسيين الغربيين من يشكك ولو قليلا بالليبرالية الاقتصادية للعولمة «الأميركية» التي يعتبرونها النظام الأفضل وكأنها الخيار الآخر الوحيد الممكن عبر مقارنتها بأنظمة الاقتصاد المغلق.
بل لم يتردد الرئيس الأميركي جورج بوش بالقول للرئيس الفرنسي عندما تحدّث إليه باسم أوروبا عن الأزمة أنه لا ينبغي تغيير أي شيء والعودة سريعا إلى «الثوابت الأساسية» المتمثّلة في ثالوث«حرية الأسواق وحريّة النشاط الاقتصادي وحرية التجارة الدولية».
ما يتم التأكيد عليه على اعتباره من الثوابت هو القول إن حرية التجارة العالمية كانت وراء إخراج الملايين من أبناء البلدان «الصاعدة» من الفقر. هذا دون النظر إلى واقع التهميش، بل الاستبعاد، الذي عرفته بالمقابل بلدان كثيرة خرجت قسرا من الدورة الاقتصادية الفعلية للمبادلات التجارية بسبب افتقارها إلى الحد الأدنى من قدرة المنافسة في الأسواق.
علّمنا التاريخ ضرورة استبدال النخب الفاشلة بأخرى تسلك نهجا مغايرا فالتحوّل الحقيقي يتطلّب أن تستطيع النخب السائدة في المنظومة المالية العالمية التجدد وأن تخلي المكان لغيرها. ولكن يبدو أنها، ورغم خطورة الوضع وما ينذر فيه من عواصف، لا ترى سوى قناعاتها التي تخدم مصالحها.
لم يتغيّر لدى هذه النخب سوى «شكل» الخطاب إذ أصبح أحيانا ذا طابع اجتماعي، بل و«اشتراكي». ويُنقل عن السناتور الجمهوري الأميركي جيم بونينع قوله بتاريخ 19 سبتمبر الماضي «عندما تصفّحت جريدة الأمس حسبت أنني استفقت من النوم في فرنسا. لكن، كلاّ، فالاشتراكية كانت هنا في الولايات المتحدة الأميركية».
الثابت فعليا هو أن الأزمة، وبعيدا عن أي تلاعب مع الحقيقة، تضرب العالم كله، وأنها سوف تكون طويلة وذات عواقب وخيمة؛ وليست مالية فقط ولكن أيضا اقتصادية واجتماعية وأخلاقية وتتجاوز كثيرا «الأبعاد البسيكولوجية» التي أراد بعض الاقتصاديين الليبراليين اختزالها لها.
إن أوروبا الغنيّة تتوقع، حسب تقديرات خبرائها، عامين قادمين 2009 و2010 عسيرين على مستوى النمو الاقتصادي، فما بالك بالبلدان الفقيرة في إفريقيا وآسيا وغيرهما؟! وفي الوقت الذي تهزّ الأزمة المالية العالم الغربي من جذوره لا تزال هناك أصوات كثيرة تدافع عن «اقتصاد الكازينو» ولا نزال نقرأ في إحدى افتتاحيات صحيفة الفيغارو الفرنسية من يكتب أن أفق تدخل الدولة في السوق يدلّ على «تدمير أخلاقي للبلاد».
استبعاد الدولة من ساحة الفعل الاقتصادي كان ولا يزال وسيبقى أحد «ثوابت» الأيدلوجية الليبرالية الجديدة السائدة. إن العالم يعيش اليوم في ظل «اقتصاد الخوف» من خطر «فيضان» جارف يمكن أن يحدث. لم يعد ممكنا الاكتفاء بالحسابات الصغيرة .
ولا بدّ من اتخاذ قرارات حاسمة تعيد النظر فيما يبدو حتى الآن من «ثوابت» الفكر الليبرالي الجديد المتزمّت الذي نجح القائمون على «الموديل» الأميركي بفرضه على العالم طيلة ربع قرن خدمة لمصالح حفنة من المستفيدين وعلى حساب المصلحة العامّة للسواد الأعظم من البشر. صحيح لم تحدث حتى الآن ردود أفعال عنيفة من قبل «هؤلاء البشر».
هذا مفهوم طالما أن الأزمة لا تزال في مرحلتها الحالية ذات طبيعة «مالية». لكن الأمر سيتغيّر بالتأكيد عندما تصل، وستصل، نار آثارها الاقتصادية إلى الجلد. بكل الحالات، لا شك أن هذه الأزمة الحالية ستكون أحد أهم الملفّات، إن لم تكن الملف الأساسي، على مكتب الرئيس الأميركي الجديد بعد أن كانت الإدارة السابقة قد «أشعلت الحريق».
