خلال الأيام الماضية شهدت موسكو عدة فعاليات ولقاءات روسية ـ عربية، توجت بزيارة القائد الليبي معمر القذافي، والتي تركزت عملياً على بحث سبل التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين، لتشكل امتداداً من حيث المحتوى ـ لمجموعات الفعاليات التي نظمها مجلس رجال الأعمال الروس والعرب.
وإذا كان القذافي مضطراً لشراء معدات وآليات روسية، ليس فقط بسبب اعتماد البنية التحتية على التقنيات الروسية، باعتبار أن الجيش الليبي تبلغ نسبة اعتماده على المعدات والتقنيات الروسية أكثر من 80%، وإنما أيضاً بموجب التفاهم الليبي ـ الروسي، والذي شطبت موسكو بموجبه الديوان الليبية المستحقة السداد، والبالغة أكثر من 5. 4 مليارات دولار. إلا أن هذا النوع من العلاقات لا يمكن أن يؤسس لتعاون اقتصادي مثمر.
ولعل تعثر التعاون العربي ـ الروسي والذي لمسناه من خلال جلسات مجلس رجال الأعمال الروسي ـ العربي، ومعرض أرابيا اكسبو يعكس ضعف التعاون، والذي لا يتجاوب عملياً مع مصالح الجانبين. إلا أن هذا الوضع يثير تساؤلاً حول مدى جدوى وجدية هذا التعاون؟
ومازالت البيانات متباينة، حول حجم التبادل التجاري ـ الاقتصادي بين روسيا والعالم العربي، إلا أن حجم هذا التبادل لا يشكل أكثر من 14% من حجم التبادل التجاري بين روسيا والصين، وأقل من 17% من حجم التبادل التجاري بين روسيا وألمانيا. بعبارة أخرى تقلصت المصالح العربية ـ الروسية المشتركة بشكل كبير خلال السنوات الماضية.
ويعود هذا التقلص لخلل في سياسات الجانبين تجاه ملفات التعاون المشترك، وفي الوقت الذي أصبحت موسكو ترفض فيه عقد صفقات متكافئة، كما كان يتم في العهد السوفييتي، تجاهلت الشركات الروسية الرصيد الضخم للشركات الغربية في الأسواق العربية.
والتسهيلات التي تقدمها، واعتقدت انها ستحقق نفوذاً في هذه الأسواق بفضل رخص منتجاتها، والتقارب السياسي بين القيادة الروسية والحكومات العربية، ما كشف عجز هذه الشركات عن خوض منافسات جادة في الأسواق العالمية والعربية، ليس فقط بسبب ضعف قدراتها التسويقية، وإنما أيضاً بسبب عدم فهمها لطبيعة العمل في هذه الأسواق.
أما الجانب العربي، فاستسلم لرؤوس الأموال الغربية، التي تقدم له المنتجات التي ترى أنها صالحة للأسواق العربية، ولا تقدم ما تحتاجه هذه الأسواق من منتجات، بعبارة أخرى تسيطر المنتجات الغربية الاستهلاكية على هذه الأسواق، وتغيب المنتجات التي تستخدم في تأسيس صناعات وقطاعات إنتاجية للبلدان العربية أو ما يسمى بالسلع الإنتاجية.
في نفس الوقت الذي يقتصر استيراد الدول الغربية من البلدان العربية على المواد الخام والثروات الطبيعية. ما يعبر عن أن هدف رؤوس الأموال الغربية، هو السيطرة على ثروات هذه البلدان، دون أن تقدم لها الإمكانية لتطوير اقتصاداتها. والمثير للدهشة أن رؤوس الأموال العربية لا تهتم بإمكانية الاستفادة من المنتجات الروسية في تأسيس قطاعات إنتاجية تدعم الاقتصاد الوطني في بلادها، وتحقق عائدات مجزية لها. ويقتصر نشاطها على القطاعات الخدمية والعقارات.
وقد كشفت الأزمة المالية التي تواجهها الأسواق العالمية، أن تنوع النشاط الاقتصادي هو السبيل الوحيد ولتقليص آثار هذه الأزمات، ما يعني أن الشريك العربي لابد وان يعمل بشكل جاد على تنويع وتطويع النشاط الاقتصادي، وأن يستغل العروض المطروحة والتي تمكنه من تحقيق هذا التطوير النوعي في الأداء الاقتصادي.
وقد عبرت دعوة عدنان قصار رئيس مجلس الاتحاد العام لغرف التجارة والصناعة والزراعة للبلاد العربية، الاستعانة بقدرات روسيا لمواجهة الأزمة المالية والتي اعتبر فيها إن المشكلات التي يعانيها النظام المالي العالمي تسببت فيها سياسات الولايات المتحدة عن إمكانية ملموسة لتحقيق منفعة متبادلة بين الجانبين.
ولابد من القول ان الشركات الروسية أيضاً مطالبة بالتعامل مع الأسواق العربية وفق أنظمتها واحتياجاتها. وتعمل على الدخول لهذه الأسواق بعروض تتميز عن عروض الشركات الغربية المنافسة. بعبارة أخرى على هذه الشركات أن تبيع ما يريد العميل شراءه، وتتخلى عن منطق أن العميل يشتري ما تنتجه.