عراق الخوف» تعبير طالما استخدم للإشارة إلى حكم حزب البعث، ورغم التضحيات الكبيرة والكلفة الأكبر لعملة إطاحة النظام البعثي فإن العراق لم ينتقل من الخوف إلى الأمن بل للأسف انتقل من الخوف إلى الرعب، ولم يكن تقلص عمليات العنف وحده كافيا لأن يشير إلى مسار جديد يمكن أن تسير فيه الحياة في هذا البلد المثقل بآلام الماضي وجراح الحاضر. قد يكون أداء الجنرال دافيد بترايوس، أو زيادة عدد القوات الأميركية، أو ظهور ما يسمى «الصحوات»، قد لعب دورا في تخفيض وتيرة العنف على نحو ملموس (تقلص العنف في عموم بغداد بنسبة 80%).
لكن هذه العوامل جميعا لم تنجح في النفاذ إلى النفوس، ليبقى الرعب سيد الموقف، وليكشف التفاعل السياسي عن إحساس عميق بالافتقار للثقة بين فرقاء الساحة السياسية، والأمن يبدأ أولا إحساسا بالاطمئنان والثقة ثم يعكسه الفعل، ومن ثم فإن منع الممارسات العنيفة، والقضاء على «مظاهر» العنف لا يترجم بالضرورة إلى أمن ما لم تتم ـ بنجاح ـ معالجة «أسباب» العنف، وبين الأسباب والمظاهر مسافة واسعة، والخائف قد يلجأ للعنف كنوع من الهروب إلى الأمام!
والرعب في العراق الآن رعب «افتراضي» يكبر في النفوس والعقول وقد ينفجر في الواقع في أية لحظة، فمعظم القضايا المهمة التي تحتاج إجماعا ـ أو حتى توافقا ـ وطنيا يهدد الخلاف حولها بنتائج كارثية، وخلال السنوات القليلة الماضية وحتى الآن كانت موضوعات مثل: النفط، والعلاقة بين المركز والأطراف، ونزع سلاح الميلشيات، ووضع كركوك، وقانون انتخابات المحافظات، والاتفاقية الأمنية مع أميركا، و...... وصولا إلى العرض الكردستاني المنفرد بمنح قاعدة عسكرية لأميركا في الإقليم، موضوع تهديد من هذا الطرف أو ذاك بالويل والثبور وعظائم الأمور.
والافتقار للأمن في حقبة ما بعد البعث مصدره ينبع بالأساس من خلاف عميق حول بدهيات تغذيه مشاعر سلبية لم يستطع أي من الأطراف الفاعلين على الساحة من تجاوزه، فالخوف من الاستئصال والاستبعاد يقيد كل ممكنات التنازل المتبادل لأجل نشوء «الشخصة الاعتبارية للدولة» في علوها على الأفراد والجماعات المكونة للشعب العراقي.
السفير الأميركي رايان كروكر اختصر الموقف بقوله إنه لو أحب أن يختصر العراق بكلمة لقال إنها «الخوف». وأكد أنه ناجم عن «غياب الثقة» فالشيعة يخافون من الماضي، نتيجة اضطهاد تعرّضوا له سالفا، والسنة يخافون من مستقبل لا يسيطرون فيه على الحكم، أما الأكراد فهم ? برأيه ? يخافون الماضي والمستقبل معا!
وتلعب المرجعية الثقافية للعمل السياسي دورا رئيسا في هذه الأزمة، فهناك مفاهيم مؤسسة مثل: السيادة، الاستقلال، الاحتلال، الهوية، عروبة العراق، وحدة أراضي العراق، الديمقراطية، العلاقة مع دول الجوار، التمثيل السياسي الأفضل للولاءات التحتية الدينية والعرقية والمذهبية......
يكاد يكون لها عند كل فصيل سياسي مفهوم مغاير لما عند الآخرين، رغم أنها تلعب دورا رئيسا في المستقبل السياسي للبلاد. وفي هذه الغابة تتحول التعددية إلى علاقة صراعية تختفي خلف قناع من الإجراءات الديمقراطية المنفصلة ـ تماما تقريبا ـ عن الثقافة الديمقراطية.
والتفسيرات في هذا السياق لا يجوز طبعا أن تغفل الدور الأميركي المحتمل سواء في صناعة هذا التباعد أو تعميقه، لكن هذا المسعى الأميركي لم يكن لينجح ـ على افتراض وجوده ـ إلا في وجود ثغرة يتم توسيعها، والثقافة السياسية للنخبة العراقية الجديدة هي المسؤول الأول عن الأزمة التي لا تزال تراوح في مكانها بكل ما يعنيه ذلك من مخاطر على مستقبل العراق.
وقد واجه الأوروبيون ما هو أقسى من ذلك وأفدح في الحرب العالمية الثانية فاحتلت ألمانيا معظم دول أوروبا تاركة بذلك جرحا عميقا في الكرامة الوطنية لمعظم الدول الأوروبية، فضلا عن عشرات الملايين من القتلى وما لحق بأجزاء واسعة من أوروبا من دمار رهيب، لكن الثقافة السياسية للنخب الأوروبية جعلتهم قادرين، على الجلوس معا بعد عامين لا أكثر على مائدة واحدة لإطلاق مسيرة الوحدة الأوروبية.
حدث هذا رغم هذا الصراع الدموي القريب، ورغم التعددية التي تتسم بها أوروبا قوميا ودينيا ومذهبيا ولغويا. وقد نجح الأوروبيون لأنهم انطلقوا من الانحياز إلى خيار طي صفحة الماضي والتعالي على الجراح والمراهنة على الثقة بدلا من الرعب، فهل يفشل العراقيون بعد خمسة أعوام من زوال النظام البعثي فيما نحج فيه الأوروبيون بعد عامين من الحرب العالمية الثانية؟
