بإعلان الفوز التاريخي للسيناتور الديمقراطي الأسمر «باراك حسين أوباما» المبشر بتغيير الواقع الأميركي لصالح الغالبية الشعبية المظلومة اقتصادياً واجتماعياً، وبتغيير الصورة العدوانية الحربية القبيحة لأميركا في العالم، يكون الشعب الأميركي قد منح ثقته لأول مرشح رئاسي في التاريخ الأميركي يحمل اسماً عربياً وينتمي لأصول إفريقية وإسلامية، ويحمل في شخصيته مكونات أميركية وعالمية.
وهذا في حد ذاته تغير إيجابي غير مسبوق في المواريث الثقافية والسياسية للديمقراطية الأميركية، بالمخالفة للأنماط التقليدية التي طبعتها بالعنصرية والطبقية المهمشة للأقليات الإفريقية والعربية والآسيوية واللاتينية، فضلاً عن حساسيتها المرضية المفرطة تجاه ما هو إسلامي، مما يضعنا في الواقع أمام مشهد سياسي أميركي تاريخي جديد مغاير بكل المقاييس للمشهد التقليدي الأميركي القديم.
ربما لا نبالغ كثيراً بالقول إن تغييراً حقيقياً ما قد حدث بهذا الفوز الانتخابي، كما لعلنا لا نسرف كثيراً إذا وصفناه بالتاريخي، ذلك أن ارتقاء أميركي إفريقي أسود لأعلى منصب في أميركا بإرادة شعبية أميركية ليكون سيداً في البيت الأبيض بينما كان آباؤه وأجداده الأميركيون يعاملون كعبيد، لهو تحقيق عملي لأول مرة في التاريخ الأميركي لما وصفه «مارتن لوثر كينغ» بـ «الحلم الأميركي».
وهو الزعيم الأميركي الإفريقي الراحل، الذي اغتاله المتعصبون اليمينيون البيض من «منظمة كوكلاكس كلان» العنصرية، لقيادته تيار المطالبة بالحقوق المدنية وبحقوق المواطنة السياسية للمواطنين الأميركيين الافارقة!
من هنا نأمل بل نتوقع ما أكده الكثير من المراقبين بأن أميركا بهذا الفوز بدأت بالفعل أولى خطوات التغيير التدريجي، أو هي تشهد حالياً مخاض التغيير لولادة الصورة الجديدة للمشهد الانتخابي أو الديمقراطي الأميركي، ليس فقط، بل أيضاً بتغيير المشهد الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع الأميركي بدءاً بمعالجة الأزمة الاقتصادية بأبعاد اجتماعية.
وربما بدأت تأخذ طريقها ولو ببطء نحو تغيير المشهد الأميركي العدواني والأحادي المهووس بالحرب والقوة، والانحياز الأعمى للظالمين، والعداء الأعمى لأصحاب الحقوق المظلومين الذي شكل في الماضي، خصوصاً في السنوات الثماني الماضية، الصورة القبيحة لأميركا في العالم. في أميركا وهي في ذروة أزماتها، ذروة فرح بهذا التغيير المرحلي لا تخفى على أحد.
لعلها الفرحة برحيل إدارة بوش إن لم تكن بنفس القدر بقدوم أوباما، وفي العالم قدر كبير من الارتياح لا يجدي إنكاره من أحد، الارتياح الأكبر هو برحيل بوش ومنع سياسته المرفوضة من الاستمرار بهزيمة ماكين، حتى وإن كان الارتياح الأصغر هو بفوز أوباما! صباح يوم الخامس من نوفمبر طوى ليلة طويلة طويلة، ليس في أميركا فقط بل وفي العالم..
بعد أن سحب الشعب الأميركي ثقته من الرئيس جورج بوش ومن حزبه الجمهوري، رفضاً لسياساته الفاشلة في الداخل والخارج التي أورثت أميركا الكوارث في جميع المجالات السياسية والعسكرية، وآخرها دخول الاقتصاد الأميركي مرحلة الركود ومواجهة شبح الكساد، وأفقدها الثقة والاحترام في العالم. في أميركا حمل بشارة تغيير الواقع الأميركي وهذا هو التغيير الأصغر.
إيذاناً ببدء التغيير الأكبر في السياسة الأميركية وتقديم الواقع الجديد والصورة الجديدة لأميركا في سياستها مع أزماتها التي لخصها «الرئيس مبروك حسين» بالقول: «أميركا الجديدة تواجه كوكباً مهدداً، وحربين كبريين، وأسو أزمة اقتصادية».. والتعامل الأميركي بعدالة وثقافة ودبلوماسية هو ما يمكنه إعادة الثقة بها في العالم، وهذا هو التغيير الأكبر! أخيراً.. مبروك للشعب الأميركي بباراك حسين.. وبالمناسبة «باراك» بالسواحيلية الإفريقية، لا بالعبرية، تعني «مبروك»!.