قادة الدول والمنظمات المصنفة في أميركا كأعداء عاكفون الآن على رسم مخططات للاستفادة من «فراغ القوة» الذي سوف ينشأ عن الانسحاب النسبي للولايات المتحدة من ساحة الصراع الدولي. وعلى صعيد آخر تستبد مشاعر القلق بالطبقة الحاكمة في دول العالم الثالث التي وطنت نفسها عبر عقود زمنية على إدمان الاعتماد على الحماية الأميركية.
سيكون للإدارة الأميركية الجديدة جدول أولويات يبدأ بكيفية معالجة التأثيرات والتداعيات للأمة الاقتصادية الخطيرة في الداخل الأميركي وينتهي بها. وليس معنى ذلك بالطبع أنه لن يكون للولايات المتحدة تحرك على الصعيد الخارجي، وإنما يعني أن التحرك الخارجي الأميركي سيكون محصوراً في متطلبات معالجة الأزمة الداخلية ومحكوماً بمقتضياتها.
ولنأخذ على سبيل المثال المديونية الأميركية الفلكية لصالح الصين والتي تحسب بعدة تريليونات من الدولارات. فليس من المقصود أن تقدم الإدارة الأميركية الجديدة على فعل يمكن أن يستفز الصين. وعلى هذا المنوال سوف توسع الصين من تحركها الاقتصادي الحثيث في بلدان القارة الإفريقية من دون عائق أميركي.
وعلى هذا المنوال سوف تضاعف روسيا تحركها في شرق أوروبا لتستعيد النفوذ السوفييتي السابق في المنطقة بتشجيع ومساندة القوى السياسية الموالية لموسكو بما يؤدي إلى تحجيم القوى الموالية للولايات المتحدة فتسقط حكومات لتخلفها حكومات أخرى. لكن توسع النفوذ الروسي لن ينحصر في أوروبا، فمع تقلص النفوذ الأميركي الدولي سوف تتطلع روسيا إلى نشر نفوذها في العالم العربي والإسلامي من ناحية وأميركا اللاتينية من ناحية أخرى.
لموسكو حليفان في العالم العربي والإسلامي هما سوريا وإيران. وربما يكون ليبيا القذافي على الطريق كحليف ثالث. وعلى هذه الخلفية ستكون روسيا مصدر تسليح نوعي لسوريا وأن تكون دمشق ممراً استراتيجياً لمد النفوذ الروسي إلى الساحة السياسية اللبنانية بما يؤدي إلى نشوء تحالف بين موسكو و«حزب الله». ومن ناحية أخرى سوف تمضي إيران قدماً في تطوير برنامجها النووي بدعم روسي ومن دون خوف من تهديد أميركي.
تقلص النفوذ الأميركي سوف يشجع أيضاً على انتشار المد اليساري في أميركا اللاتينية بزعامة فنزويلا التي دخلت بالفعل في شراكة استراتيجية مع روسيا. ومع استمرار اهتزاز المكانة الدولية للولايات المتحدة سوف تهتز أنظمة حاكمة في بلدان العالم الثالث مصنفة كأصدقاء لواشنطن.. وبالتالي تصبح هذه البلدان مرشحة لاندلاع ثورات شعبية داخلية. صفوة القول إن العد التنازلي لعصر الهيمنة الاقتصادية الأميركية على العالم قد بدأ بالفعل إيذاناً بعالم متعدِّد الأقطاب.