كان وهماً وكان حلماً بعيداً
أن نناجيك يا نوفمبر عيداً
هذا ما قاله الشاعر في ثورة نوفمبر المجيدة، الثورة التي تحّدت الاستعمار الفرنسي وحلف الناتو وأنهت 132 سنة من الاستعمار والبطش والنهب والظلم، استعمار رأى خلاله الشعب الجزائري الشجاع أبشع صور التنكيل والتعذيب والنهب والبطش والسرقة والاغتصاب والتجهيل والاستيطان. أين هي الجزائر اليوم بعد 54 سنة من اندلاع الثورة المباركة؟
ما هي الدروس وما هي العبر؟ لماذا نجحت الثورة رغم تعنت الاستعمار الفرنسي وحلف الناتو؟ ما هي نقاط قوة هذه الثورة التي أصبحت قدوة لكل الشعوب المستعمرة (بفتح الميم) في جميع بقاع العالم وأصبحت قبلة الثوار والحركات التحررية في العالم؟
ثورة تجسّد فيها تضامن الشعب العربي ووفائه للإخلاص والحق والعدالة، وأنه شعب لا تفرقه الحدود ولا الحواجز الجغرافية. ثورة المليون ونصف المليون شهيد تركت دروسا وعبرا لمن يعتبر. من أهمها أن الشعوب العربية تجري في عروقها دماء الوحدة والتضامن والتحالف والمحبة، ولو رجعت الأمور للشعوب العربية لما بقيت الحدود ولا الحواجز ولا القيود ولأصبح العالم العربي دولة واحدة موحدة.
تحتفل الجزائر بالذكرى الرابعة والخمسين لثورة نوفمبر المجيدة وهي تمر بظروف صعبة وبأزمة طال أمدها، ظروف الجزائر في السنوات الأخيرة تعكس تناقضات ومشاكل تراكمت على مدى سنوات؛ ما هي العبر التي تستطيع الجزائر أن تستخلصها من ثورة نوفمبر لتعود إليها لعلها تستفيد منها في حل خيوط أزمتها الحالية؟
وهل يعقل لبلد مثل الجزائر التي أنجبت بوعمامة والشيخ المقراني والأمير عبد القادر والأمير خالد ومصالي الحاج والعقيد عميروش وعبان رمضان ومصطفى بن بولعيد وديدوش مراد وزيغود يوسف والعربي بن مهيدي وفرحات عباس وهواري بومدين ومحمد الصديق بن يحيى والقائمة قد تطول، هل يعقل لهذا البلد أن يكون مصيره هذه الأزمة التي يتخبط فيها؟
وقفتنا أمام ثورة نوفمبر المجيدة تبعث فينا هذه العبر وهذه الدروس لعلها تفيد الجزائر اليوم للخروج من محنتها وهي تحتفل بالذكرى الرابعة الخمسين لثورة الفاتح من نوفمبر.
فبدلا من التشكيك في عدد الشهداء والذين صنعوا التاريخ يجب التركيز على مطالبة فرنسا بالاعتذار الرسمي وبالتعويض. فخلال 132 قتل الاستعمار الفرنسي أكثر من 9 ملايين جزائري؛ فالأمر لا يتعلق بمليون ونصف مليون شهيد مات أثناء الثورة التحريرية من 1954-1962، بل العدد أكثر من ذلك بكثير للذين يشككون في عدد الشهداء ولا يعرفون قيمة التضحية وقيمة ثورة بحجم ثورة نوفمبر. دروس الثورة المجيدة نلخصها فيما يلي:
*وحدة القيادة ووضوح الهدف وتلاحم الشعب مع القيادة وتبني الشعب لقضية الاستقلال وإيمانه بأن السبيل الوحيد للحصول على سيادته وكرامته وحريته هو التضحية بالغالي والنفيس والإيمان بأن الحرية تؤخذ ولا تعطى، ولا وجود لأنصاف الحلول، وأن الحديد لا يفلح إلا بالحديد.
* استطاعت ثورة نوفمبر أن توّحد الصفوف واستطاعت أن توّحد مختلف التيارات السياسية الموجودة على الساحة من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين مرورا بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
الكل نسي اتجاهاته الحزبية الضيقة وراح يفكر في المصلحة الوطنية، المصلحة العامة، الاستقلال الوطني، وهكذا اتحدت كل التيارات وانصهرت في بوتقة واحدة اسمها »حزب جبهة التحرير الوطني« التي لم تفرق بين الشرائح المختلفة للمجتمع والتي ضمت في صفوفها الغني والفقير والطبيب والفلاح وابن الريف وابن المدينة، كانت ثورة شعبية بالمعنى الكامل للكلمة.
* لم تسمح الثورة الجزائرية لأي جهة خارجية ولأي بلد ولأي تيار أو حزب سياسي متعاطف معها أن يتدخل في شؤونها الداخلية وفي كيفية ومنهجية تسيير أمورها وقضاياها، ولذلك بقيت ثورة مستقلة، حرة وقوية، لا تتلاعب بها التيارات المختلفة أو المصالح الضيقة لذلك الطرف أو للآخر.
* أكّد الشعب الجزائري للعالم بأسره أنه شعب يتسم بالوحدة والتضامن والمحبة والتضحية بالنفس والنفيس من أجل سيادته وكرامته ومروءته ورجولته، وهكذا تنافس الجزائريون وتسابقوا للانضمام لصفوف جيش التحرير الوطني وصفوف جبهة التحرير الوطني للدفاع عن العرض والشرف وتحقيق الاستقلال الوطني. وهكذا انضمت مختلف شرائح المجتمع الجزائري إلى جبهة القتال من فلاحين وتجار وعمال وطلاب ونساء وغيرهم.
*برهنت ثورة نوفمبر للعالم الخارجي أنها ثورة تحترم كل ما تحمله الكلمة من معنى وليست فرقعة أو مظاهرة أو محاولة انقلاب على الأوضاع يقودها بعض الإرهابيين أو بعض قطاع الطرق. ثورة نوفمبر كانت لها أبعاد إسلامية وعربية وأبعاد إفريقية وأبعاد دولية، ثورة نوفمبر اتسمت بالتخطيط والبرمجة والطرح المحلي والإقليمي والدولي.
* ثورة نوفمبر أعطت قدوة ومثالا للحركات التحريرية في العالم الثالث وفتحت الباب على مصراعيه للكثير من الثورات الاستقلالية في إفريقيا وآسيا لخوض غمار الكفاح المسلح كوسيلة لتحقيق الاستقلال والسلام والاحترام. ثورة نوفمبر كسّرت أسطورة قوة المستعمِر وبرهنت على مبدأ أن إذا توفرت الإرادة انتهى المستحيل وإذا أراد الشعب أن يعيش حرا فلا بد عليه من أن يضحي بكل شيء من أجل كرامته وسيادته.
* أكدت ثورة نوفمبر أنها ثورة شاملة وكاملة لم تترك أي شيء للصدفة أو للحظ ولذلك فإنها اهتمت بمختلف الجوانب: عسكريا وسياسيا ودبلوماسيا وإعلاميا. وهكذا وبعد سنتين من اندلاع الثورة أجتمع قادتها في إفري بضاحية مدينة بجاية وعقدوا مؤتمر »الصومام« التاريخي حيث وضعوا التنظيم التكتيكي والعسكري والسياسي والإعلامي لثورة نوفمبر.و يرجع نجاح الثورة بالدرجة الأولى إلى تنظيمها المحكم على جميع الصعد وفي مختلف المجالات، الأمر الذي جعلها تقهر الاستعمار الغاشم وقوته الكبيرة في العدد والعدة.
عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة